النتائج 1 إلى 4 من 4

فلسفة التربية


فلسفة التربية معنى الفلسفة: يمكن القول بصفة عامة أنه لا يوجد اتفاق حول تعريف الفلسفة أو تحديد مضمونها ومباحثها. ولعل من أقدم التعريفات للفلسفة ذلك ...
  1. #1
    مجلس الإدارة
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    3,496

    فلسفة التربية

    معنى الفلسفة:
    يمكن القول بصفة عامة أنه لا يوجد اتفاق حول تعريف الفلسفة أو تحديد مضمونها ومباحثها.
    ولعل من أقدم التعريفات للفلسفة ذلك التعريف الذي يمتد بأصل الكلمة إلى الإغريق في معناها اللغوي "حب الحكمة"، وعلى هذا يكون الفيلسوف هو الحكيم أو محب الحكمة.
    وربما كان هذا التعريف مناسبا عندما كانت الفلسفة تمثل جماع المعرفة آنذاك من طب وفلك ولاهوت وقانون وغيره.. وعلى الرغم من أن تطور العلوم والمعرفة قد أدى في النهاية إلى انفصال هذه العلوم عن الفلسفة واحدا تلو الآخر، فقد بقى تعريفها "حب الحكمة" كما هو

    التعريف المعجمي:
    يورد المعجم الوسيط في تفسير كلمة فلسفة أنها "دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرا عقليا وكانت تشمل العلوم جميعا واقتصرت في هذا العصر على المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة".
    ويورد معجم التربية تعريفا للفلسفة مشابها للتعريف السابق فيقول في تعريف الفلسفة بأنها: "العلم الذي يرمي إلى تنظيم وترتيب كل مجالات المعرفة باعتبارها وسائل لفهم وتفسير الحقيقة في صورتها الكلية. وهذا العلم يشمل عادة المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ونظرية المعرفة".

    تعريف الفلاسفة:
    *تعريف كونت (A. Compte) :
    "ناد الفيلسوف الفرنسي كونت بأن الفلسفة في هذا العالم الجديد للعلم تقتصر فائدتها على توضيح مفاهيم ونظريات العلم، وأن على الفلسفة أن تتخلى عن مجال الميتافيزيقا، لأن القضايا التي يتناولها هذا المجال لا تسمح بالتحليل العلمي أو التجريبي أو البرهنة".

    *تعريف فينيكس(Phenix)
    وهو من فلاسفة التربية الأمريكيين، يقول في كتابه "فلسفة التربية" : "إن الفلسفة ليست مجموعة من المعارف، ولا تؤدي دراستها إلى تجميع عدد من الحقائق، وهي ليست طريقة من طرق النظر إلى المعرفة التي لدينا فعلا، وهي تتضمن تنظيم وتفسير وتوضيح،ونقد ما هو موجود بالفعل في ميدان المعرفة والخبرة، وتستعمل كمادة لها ما تتضمنه العلوم والفنون المختلفة، والدين والأدب ومن معارف، كما أنها تستعمل المفاهيم العامة العادية".(يرى أن هناك أربع مكونات للفلسفة-الشمول، اتساع النظرة، البصيرة،التأملية-.

    *تعريف كونور (O. Connor)
    هو من الفلاسفة البريطانيين المعاصرين في كتابه "مقدمة في فلسفة التربية": "إن الفلسفة ليست نظاما من المعرفة ذات الطابع الإيجابي (أي له مضمون معرفي) كالقانون أو علم الأحياء أو التاريخ والجغرافيا، وإنما هي نشاط نقدي أو توضيحي…".
    كما يختلف الفلاسفة فيما بينهم حول تحديد مفهوم الفلسفة، ومع هذا فإنه يمكننا بصفة عامة أن نميز اتجاهين رئيسيين:

    الاتجاه الأول:
    يرى أن الفلسفة هي أسلوب للتفكير وطريقة للمناقشة في تناول المشكلات وتحليلها ومعالجتها. وهذا يعني أن الفلسفة ليس لها مضمون علمي يقوم على مجموعة الحقائق كما هو الحال في باقي العلوم.

    الاتجاه الثاني:
    يرى أن الفلسفة هي أكثر من كونها طريقة أو أسلوب للتفكير. فهي إلى جانب ذلك لها مباحثها الخاصة وميادينها المعرفية.

    مباحث الفلسفة:
    *الانطولوجيا (Ontology) :
    أي دراسة طبيعة الحقيقة، وتتعلق بالبحث في الوجود والكون والحياة والإنسان، ومن المرادفات الشائعة للانطولوجيا الميتافيزيقا-ما وراء الطبيعة- الإلهيات، الغيبيات.

    *الابستمولوجيا (Epistemology) :
    أو نظرية المعرفة أي تبحث في طبيعة المعرفة، حدودها وأنواعها، وكيف نتحقق من هدف المعرفة، كما تبحث في مصادر المعرفة وأهميتها النسبية.

    *الاكسيولوجيا (Anxiology) :
    تتعلق بالبحث في القيم -طبيعتها، مصادرها، أنواعها- بمشكلات الخير والجمال، وفي القيم الجوهرية الخالدة ككرامة الإنسان، القيم الإجرائية مثل تفضيل منهج معين كالمنهج العلمي …

    الاكسيولوجيا :
    -علم الأخلاق(أخلاقيات الإنسان، الشر، الخير.)
    -علم الجمال، معايير الجمال، والإنسان، والبيئة.

    علاقة الفلسفة بالتربية:
    التربية هي الموضوع أما علوم التربية فتعتبر المنهج أو مجموعة المناهج التي تدرس عن طريقها الموضوع، وهي كسائر ميادين المعرفة والعلوم الإنسانية ذات الصلة الوطيدة بالفلسفة على اختلاف مذاهبها ومدارسها.

    فما هو الفرق بين التربية كموضوع فلسفي وبين علم التربية؟
    قبل القرن 19 كانت كل القضايا المعرفية تطرح على مستوى الفلسفة حيث كانت الفلسفة أم العلوم والمعارف كالفيزياء والطب وغيرها من العلوم، وكانت من اختصاصات الفلاسفة إذ كانوا يعتقدون أن الفلسفة تجمع كل شيء.

    علاقة التربية بالفلسفة:
    يذهب بعض المؤلفين من بينهم جايمس روس في الأسس العامة للنظريات التربوية للقول أن هناك علاقة وطيدة بين التربية والفلسفة إذ يعتبرهما وجهان لعملة واحدة. أما نحن فنفرق بينهما على أننا معه على شدة الارتباط، بحيث إذا حاولنا دراسة التربية عند اليونانيين أو الصينيين، فإننا لا نستطيع دراسة التربية الصينية دون التعرف على فلسفة كونفوشيوس، كذلك لا نستطيع التعرف على إبراز المفكرين أمثال سقراط وأريسطو، ولا نستطيع التعرف على التربية الإسلامية دون التعرض إلى القرآن الكريم والتعرف عليه.

    إن التربية تقوم على رافدين، إما على أساس عقلاني، أو على أساس الوحي والشرع ومن ثم تعتمد على الشرع ومن الأدلة التي جاء بها جايمس روس لتأكيد فكرته، هي أنه:

    1-يرى أن التربية والفلسفة شيء واحد لأن التربية بدون فلسفة لا تكون، إذ أنها تستمد مفاهيمها وموضوعها أو مفهوم موضوعها من الفلسفة، بل تستمد العقيدة التربوية التي تحتويها على مجموعة المفاهيم والقيم التربوية.
    2-كون التربية تختلف في مفاهيمها وقيمها باختلاف المذاهب الفلسفية.
    3-كون التربية والفلسفة كلاهما تعتمد على أيديولوجية واحدة.
    إن العلاقة موجودة بين التربية والفلسفة لكن هذا لا يعني أنهما وجهان لعملة واحدة، إذ أن هناك فروق كثيرة تتمثل في:

    *تنطلق الفلسفة من الشك والنسبية، بينما التربية تنطلق من اليقين وتخرج عن نطاقه.
    *تعالج الفلسفة الإنسان المطلق، بينما التربية تعالج الإنسان كما هو في أي زمان ومكان.
    *يمكن للتربية أن تلتزم بالتربية، كما يمكن أن لا تلتزم بها.
    *يمكن للتربية أن تلتزم بالديانات، وهي ليست فلسفة.

    مجال الفلسفة التربوية:
    أصبحت فلسفة التربية مجال اهتمام حيوي لكثير من الفلاسفة الغربيين المشهورين، فقد قدم أفلاطون وأريسطو، ولوك، وروسو، وكانت، وديوي خدمات عظيمة في هذا المجال، حتى أن ديوي قال: "يمكن وصف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية". فالفلسفة التربوية تعمل على فهم التربية في مجموعها مفسرة إياها بواسطة مفاهيم عامة ونظريات.

    علاقة التربية بعلم النفس:
    إن التربية تتأثر وتؤثر في نتائج العلوم الأخرى، وسوف نقتصر عن علاقة التربية بعلم النفس عامة وبعلم نفس التربوي وعلم نفس النمو خاصة.
    ونبدأ طرح السؤال التالي: ما دخل التربية بالنسبة إلى علم النفس؟
    يمكن القول بأن مجال اللقاء بين التربية وعلم النفس هو الميدان. كما أن علم النفس هو دراسة الخبرة النفسية، وما تطلبه من دوافع مختلفة لكي تتبلور بشكل سلوك ، نزوع، فعادة، فشخصية.

    بينما نجد التربية هي الأخرى تحاول أن تعنى بالإنسان من حيث هو ذو إمكانات فطرية نفسية جسمية وغيرها ليمكن له التكيف الأفضل مع المحيط الطبيعي، الاجتماعي…الخ، لا يستطيع التكيف إلا على أساس المساعدة الموضوعية البيئية التي تقدم له من طرف الآخرين الراشدين لكي يجنبه الأخطاء ويشجعون قدراته العقلية والحركية ويساعدونه على الخبرة التي تتبلور فيها شخصيته، فالتربية تهتم بهذه الأمور، فهي تعد الإنسان لا ليستغل ثمرات الأجداد والآباء وكل الأجيال الإنسانية بل ليساهم هو الآخر في الجهد الإنساني في البناء الحضاري بمعناه الشامل.

    والمربي لا يستطيع أن يعرف حاجات المربي إلا بمعرفته. كما نجد علم النفس يحاول أن يقدم لنا معلومات صحيحة، فما هو مقدار المعلومات التي يقدمها علم النفس؟ كما أن التربية تحتاج إلى كل العلوم الإنسانية مع اختلاف في الطريقة. والتربية تعتمد على الدين بحيث تستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان من الدين، كما أنها تعتمد على الفلسفة وتستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان منها.

    إن ميدان التربية هو ملتقى الطرق، الذي تصل إليه كل الروابي-روابي المعرفة- لأن التربية كالعامود الفقري، بحيث أننا نلاحظ أن كل ما له علاقة بالثقافة والحضارة له علاقة بالتربية.

    إن الاهتمام بالتربية واكبه تطور هائل في مجال علم النفس التربوي ذلك أن علم النفس التربوي يتناول الاهتمام بالفرد في المواقف التربوية.
    ولقد اهتم علماء النفس التربويين بالمشكلات التربوية مثل الممارسات التربوية، كالتعلم، الدافعية، التوجيه التربوي، التحصيل المدرسي وقياسه وتقويمه.
    كما أن علم النفس التربوي هو فرع من علم النفس يهتم بتطبيق مبادئ علم النفس ونظرياته ومناهج البحث الخاصة به في مجال التربية والتدريس والتعليم والتدريب وما يظهر فيه من مشكلات وظواهر في حاجة إلى دراسة أو علاج أو حلول. ويهدف هذا الفرع من كل هذا إلى رفع كفاية العملية التربوية أو التعليمية وجعلها أكثر عائدا وأقل تكلفة وأفضل نجاحا.

    التربية والانتروبولوجيا (علم الإنسان):
    إن العلاقة بينهما وثيقة من حيث أن التربية تحافظ على هذا الميراث وتنقحه وتعززه وتبسطه وتنقله للأجيال اللاحقة، وتعلم الأجيال أيضا كيفية التكيف مع الثقافة. بالإضافة إلى أن الأنثربولوجيا تهدف إلى دراسة سمات الحياة الاجتماعية ومعرفة طبيعتها ومكوناتها لإعادة بناء تاريخ المجتمعات أو تاريخ الحضارة، مع تحديد معالم التركيب التاريخي والحضاري لثقافة ما ومقارنتها مع المجتمعات والثقافات الأخرى، وهنا تدخل العلاقات التربوية ودورها في مجمل هذه العمليات.

    إن مجمل العلوم الأنثروبولوجية سواء كانت ثقافية أم اجتماعية أم فيزيقية تركز على دراسة الإنسان ككائن اجتماعي أو حضاري، فتدرس أشكال الثقافة وأبنية المجتمعات البشرية، من خلال دراسة هذه المجتمعات الأولية، ومعالجة ما يسمى بأنماط الثقافة البدائية والتربية هي العوامل الأساسية التي يجب أخذها بالاعتبار عند دراسة التطور الثقافي لأي مجتمع من المجتمعات البشرية.
    والتربية ما هي إلا العملية التي تؤمن للفرد القدرة على التلاؤم بين دوافعه الداخلية وظروفه الخارجية النابعة من بيئة ثقافية واجتماعية معينة (هذا ما يدرسه علم الاجتماع التربوي) ، وهذا ما تركز الأنثروبولوجية على دراسة الإنسان من الناحية الثقافية والجسمية، وتهتم بسلوك هذا الإنسان ضمن إطار اجتماعي ثقافي متراكم عبر الصور.

    صلة التربية بالتاريخ:
    التاريخ يسجل الجهود الفكرية للإنسان في محاولاته تفسير الحياة البشرية وفهم صلتها بالوجود، وهو علم ضروري ومهم للعلوم الإنسانية. ووجود البعد التاريخي يساعد العملية التربويةعلى فهم ما ورثه من الماضي وما أعدته للحاضر وكيف تخطط للانطلاق إلى المستقبل، وأيضا يساعد على فهم المشكلات التي مرت على البشرية في مراحل تطورها، والابتعاد عما هو غير صالح لتجنبه والبحث عما هو مفيد، وكذلك الإطلاع على المفاهيم التربوية التي اتبعها الإنسان قديما وكيف تطورت. إن التربية في علاقتها مع التاريخ تكوّن ما يسمى بتاريخ التربية الذي يدرس حركة المجتمعات البشرية وتفاعلاتها وتأثيرها على التربية.


    التربية والبيولوجيا:
    تعتبر البيولوجيا ذلك العلم الذي يبحث في دراسة الكائنات الحية من الناحية العضوية وتلاؤمها مع الوسط الذي تعيش فيه، والتربية تبحث في معرفة قوانين الحياة العامة والنمو والتكيف وهي وثيقة الاتصال مع ما يدرسه علم الأحياء (البيولوجيا)، وهذا أدى إلى وجود اتجاه بيولوجي في التربية، وخاصة في التركيز على مفهوم التكيف المرن والمبني على وجود دافع داخلي يسعى إلى تلاؤم الكائن الحي مع مطالب البيئة المحيطة به من مختلف أوجهها والتي هي جوهر الحياة نفسها.

    التربية وعلم الاجتماع:
    العلاقة بينهما وثيقة، ومما يدل على أهميتها وضرورتها وجود ما يسمى "علم الاجتماع التربوي" الذي نشأ وتطور في القرن العشرين، وهو العلم الذي يجمع ما بين علم الاجتماع وعلم التربية، ويعتبر أحد فروع علم الاجتماع العامة والكثيرة، ويهدف للكشف عن العلاقات ما بين العمليات الاجتماعية والعمليات التربوية. ويستخدم علم الاجتماع باعتباره علم المجتمع وعلم دراسة الظواهر الاجتماعية وتفاعلاتها المختلفة لمساعدة التربية في تأدية مهامها ووظائفها. وجميع الأسس الاجتماعية هي أسس مهمة في العملية التربوية ذلك أن التربية لا توجد في فراغ، وإنما في مجتمع له أسسه وعلاقاته الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية، كما أن المجتمع محتاج إلى التربية، وخاصة أن التربية تهدف في جملة ما تهدف إليه إلى تكيف الإنسان مع مجتمعه بما فيه من أنماط ثقافية وعادات مختلفة، وذلك باستفادتها من النتائج التي توصل إليها علم الاجتماع وتسعى إلى تطبيقها في الميدان.



    tgstm hgjvfdm


  2. #2
    مجلس الإدارة
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    3,496
    • تمهيـــــــــد :
      تعرضت الفلسفة لأزمة حادة مع الفلسفة الوضعية حين جعل أوڤوست كونت دور الفلسفة لاحقا عن دور العلم ورأى أن المعرفة الحقيقة هي المعرفة العلمية ، وأن العلم وحده هو الذي يفكر، والفلسفة لا يزيد دورها عن تنظيم العلوم والربط بينها، وفي المرحلة الوضعية لا نهتم إلا بما هو وقائع تصلح لنقيم عليها التجربة ...
      ـ أصبح أعلام الفكر الفلسفي بعد ذلك يخجلون من هذا الخطاب الوضعي الذي يقصي الفلسفة خاصة وأن العلماء أنفسهم شعروا بالحاجة إلى الفلسفة لشموليتها وبحثها فيما لا يطاله العلم رغم أهميته كالجانب النفسي والتربوي والخُلقي و الماورائي وكالابستيمولوجيا وغير ذلك ...
      ـ ظهرت لذلك نزعة مقاومة للوضعية ، يقول "هيدڤر" في الرد على " كونت " " العلم لا يفكر " و هو لا يعدو أن يكون تقنية . على هذا الأساس نستطيع أن نقول :
      *إن ما يجري اليوم في مجال التكوين هو من قبيل التقنية لا التعلم.
      *إذا تخلينا عن أهداف التربية أصبحنا نعلّم ، ويمكن عندها أن نعلم الطفل ما نشاء ولكنه قد يتعلم كثيرا ويحصل على شهائد ويكون فاشلا .
      *القول الفلسفي في مجال التربية يجعلنا نجعل مسافة نقدية بين الأهداف والغايات (بمعنى ما يجب أن يكون ).
      *عندما نفكر في ما هو موجود نحاول أن نتعالى به.
      *لا بد أن نتفتح ونرفض الانغلاق والإقصاء.
      *التربية هي المجال الأرحب الذي يجب أن يقبل كل ألوان الفكر، ولا يجب أن تكون أنية فردانية ضيقة.
      *التفكير في التربية يجعلنا نكتشف مشاكل أكثر من النتائج فالحقيقة لها الوجه والوجه الآخر .
      إذا علّمنا الطفل أخلاقا وقيما فقد ناقضنا الأخلاق التي يجب أن تقوم على الحرية أي أن يختار الطفل ما يشاء أن يريد أن يُقبل على ما يريد بذاته فيجب أن تصدر هذه الأخلاق من ذاته .
      *هذه التناقضات هي المجال الذي لا نقول تتخبط فيه التربية بل نقول تعيش فيه التربية فهذه المشاكل والمتناقضات هي روح التربية. ومن هنا يحق لنا أن نتساءل عن أسباب هذه التناقضات وعلاقتها بالإنسان وعلاقة الإنسان بها، وعن منزلة القول الفلسفي في التربية والقضايا المركزية التي دار عليها الخطاب الفلسفي، وعن شرعية القول الفلسفي في قضايا التربية اليوم ...
      فلسفة التربية وعلوم التربية :
      1 ـ هل ما زال يمكننا أن نحدد مكانة فلسفة التربية في زمن كادت العلوم الإنسانية فيه تحتل فضاء البحث ، وتبين التوجهات الكبرى وتعيّن مراحل الفعل التربوي ووسائله ؟
      أ ـ علوم التربية تصبح معيار العقلانية : إن علم اجتماع التربية وعلم النفس النشوئي وعلم التحليل النفسي وتاريخ المؤسسات التربوية هي من الآن فصاعدا علوم تامة التكوين، وتقريبا واثقة من نفسها لتكوّن معرفة داعمة للفعل التربوي وعلى سبيل المثال علم النفس النشوئي يوفر لنا معرفة بمستوى النمو الذهني للطفل الذي يجب أن ندرّس فيه مفهوما لغويا أو رياضيا معينا .
      ـ إن مجلوبات علوم التربية تجيب عن تساؤلات صاغها البيداغوجيون أو أصحاب القرار، وهكذا تساهم في بلورة الممارسة في حقل " الأفعال التربوية "  فعلوم التربية هي إذن علوم عملية ... إنها علوم تشترك في تحسين نتائج التربية وهي ليست مجرد معارف وإنما هي معارف من أجل التطبيق .
      ـ نتحدث عن " علوم تربية " بصيغة الجمع لأن من خصائص التربية أن ننظر إليها من زوايا مختلفة : وجدانية / عرفانية / اجتماعية / بيولوجية ...ولذلك تحدث " أردوانو" عن تعدد المرجعية والمقاربة المتعددة المرجعيات .
      ب ـ المكانة الغامضة لفلسفة التربية :
      في الواقع لا يمكن للبحوث في علوم التربية أن تغفل الحديث عن فلسفة التربية ، لكننا نجد أن المكانة التي يجب أن تحتلها فلسفة التربية في بحث في علوم التربية باهتة غامضة : فكيف يمكن الحديث بعد عن فلسفة التربية في حين أن العلوم الإنسانية كما يبدو هيمنت على المجال النظري والعملي للبحث ، لتجد فلسفة التربية نفسها ـ في نفس الوقت ـ مرفوضة لتؤدي ضريبة التفكير العقيم ، ومطلوبة كمقاربة ابستيمولوجية قادرة على توفير التوضيح، وتحقيق وحدة العلوم الخاصة .
      ج ـ هل يمكن اختزال فلسفة التربية في دور محدد وجعلها مجرد" مساعد ابستيمولوجي " ؟
      لقد رفضت الفلسفة الوضعية كل فلسفة غير مواجهة مباشرة للوقائع ، ولكنها انتظرت في نفس الوقت من الفلسفة ـ كفكر نقدي ـ جهدا لبلورة مبادئ تؤسس المعارف التجريبية من أجل تنظيمها . في هذا الاتجاه شاركت الفلسفة في إنتاج إشكاليات خاصة بشروط إمكانية التربية وغاياتها : إصلاحات الأنظمة التربوية ، القلق حول المردود ، إدماج المدرسة في الحياة ...
      فما هو رأي الفيلسوف في هذا الدور " ابستيمولوجي " الذي وجد نفسه محصورا فيه ؟ وهل أن المشاكل التي تطرحها التربية لا تتجاوز التفكير الابستيمولوجي ؟
      د ـ الحدود بين : الفلسفة والعلوم الإنسانية :
      لقد تطورت العلوم الإنسانية وتوسعت دائرة اختصاصها على حساب الفلسفة التي وجدت صعوبة في التواجد في مجالها الخاص بها وأصبح الدور الذي اختزلت فيه " كإبستيمولوجيا" ثانويا هامشيا ..
      لا شك أننا حضرنا مقاربات وتوضيحات مثمرة في سؤال يمس بالأخلاق أو بغايات التكوين أو بالوضع الابستيمولوجي للعلوم الإنسانية أو بحدود التربية... في إقامتها العلاقة بين الطبيعة والثقافة  هذه المقاربات التي يمكن اعتبارها بعثا أعقب القطيعة التي أحدثتها الفلسفة الوضعية في المعرفة يمكن أن ترد الاعتبار للفلسفة. ويبقى التساؤل قائما فيما إذا لم يشكل ردّ الاعتبار هذا مشكلا.
      في الأول بدأت العودة إلى الفلسفة انطلاقا من الإرساء التجريبي لعلوم التربية ... ثم بدت الحدود بين الفلسفة والعلوم الإنسانية هشة ..
      إن مهمة الفلسفة هي إعادة صياغة الأسئلة ذات المعنى والتأكيد على أنه لاشيء يسير لوحده ، والقول بأن فلسفة التربية ضرورية في الممارسة التربوية يؤدي إلى جعل سؤال الضرورة نفسه موضع التساؤل الفلسفي : إن الفلسفة ليس من مهمتها أن تملي سلوكات وإذا سألناها : ما هي التربية الأخلاقية ؟ يجيب الحس المشترك : " هي أن نجعل الناس يتصرفون أخلاقيا " . ويكفي أن نتفكر في الجواب لنرى كم هو قابل للنقاش بل كم هو خطير ، لأن التربية إذا كانت مهمتها تكمن فقط في تدريب الأطفال على ألا يسرقوا، وألا يكذبوا ، وأن يخضعوا للمبادئ الموجودة فإنها لن تــُخرج لنا إلا أناسا آليين ، عاجزين عن فهم ما يفعلونه ولماذا هم يفعلونه أصلا كما يرى "أوليفيي ريبول " في كتابه ( فلسفة التربية ). وهنا تبدو الحاجة إلى الفلسفة لتُقنع الناس بالفضيلة والخير ، وتمكن المتعلم من التعليل والتفسير والفهم ...
      ـ " التربية :الجوهر النادر " ( سبينوزا) في فلسفة التربية : ـ المادة السابقة للتساؤل الفلسفي :
      1خاصية فلسفة التربية أن تصعد إلى منابع الفائدة الإنسانية للتربية ،وفي هذه النقطة بالذات يصبح التفكير الفلسفي جذريا . في الواقع إذا سألنا فيلسوفا : ما الإنسان ؟ وما الذي يميزه عن الحيوان ؟ فإنه يجيب : يتميز الإنسان بالعمل أو باللغة أو بالثقافة . ونحن نعرف حسب "ريبول " أنه لا وجود للعمل ولا للغة ولا للثقافة دون تربية . فالأمر إذن يتعلق بجوهر الإنسان الذي لا يستطيع إنسانا إلا بالتربية حسب كانط .
      L’homme ne peut devenir homme que par l’éducation / KANT
      وهكذا ننتقل من سؤال : ما الإنسان ؟ إلى سؤال : ما التربية ؟ . وإذا لم يكن الإنسان إنسانا إلا بالتربية فلا شيء إذن أكثر "حيوية" من التنقيب عن رهاناتها .
      ـ السؤال عن التربية "حيوي " لأنها تعني قدر الأطفال ومصيرهم : وهو رهان وجودي يتأثر بالاختيارات
      الأخلاقية والسياسية والاجتماعية ..
      ـ السؤال " جوهري " لأنه لا يطلب معرفة كيف نعلـــّم ، ولكن يطلب معرفة فِعـْـل التعلّم ذاته، و المعنى الذي نعطيه لاتساع العملية التربوية التي هي سبب تعاسة عند الأولياء والمدرسين ، والتي هي أولوية من أولويات المجتمعات الإنسانية . وفي صورة ما إذا طوّرت التربية نظريات ، فما هي الأهداف التي تتبعها وما هي الحدود التي تقف عندها ؟ وما هي العلاقة البيداغوجية بين المعلّم والمتعلم؟ والقيم التي تستخدمها كل تربية ، هل هي كونية ؟
      إذا كانت هذه القيم نسبية فبأي حق نفرضها على أبنائنا ؟ وعندما نعلن أننا نربي أبناءنا لمصلحتهم نجد أنفسنا على حد تعبير " ريبول " أمام السؤال الرهيب :" هل من الممكن أن نفعل خيْرَ شخصٍ رغما عنه؟
      2 ـ الفلسفة والتربية :
      On peut aller jusqu’à définir la philosophie comme la théorie générale de l’éducation
      تعتبر التربية المشكل الفلسفي بامتياز على معنى أن كل فلسفة عظيمة تتحدد أساسا :" كتربية =paideïa " ،
      أو" كتكوين " أو تربية عامة . فأفلاطون وأرسطو ومونتاني وروسّو وكانط وفيخته وهيڤل وآلان وديوي ...كلهم تناولوا قضية التربية وجعلوا منها محورا مركزيا في تفكيرهم ...
      أفلاطــــون :
      يرى أفلاطون أن التربية (paideïa ) والسياسة ( polis )يهدفان إلى ترقية الفرد. وهما ينطلقان من النقص الطبيعي في الفرد ويدفعانه ليكون ما لم يكن .
      ـ يجب معرفة التمفصل القائم بين التربية والسياسة ومعرفة أن النقص الذي يشكو منه الفرد لا يمكن تجاوزه إلا بالوساطة التي تحمل محبة الآخر ... التربية إذن هي مهمة متميزة تربط بين المحبة والحكمة و تتموقع في قلب المؤسسة الفلسفية ...
      ـ فكرة " الإنسان " مركزية في بيداغوجيا أفلاطون ، إنه المشكل الأكبر المطروح على مجتمع القرن الرابع ق.م : وهو كيف يمكن تربية أطر هذا المجتمع ؟ فكان جواب أفلاطون : إنه في الخمسين من العمر فقط يمكن للذين أتمّوا تكوينهم الأخلاقي أن يصلوا أخيرا إلى الهدف : تأمل الخير في ذاته . هكذا " يجب خمسين سنة لتكوين رجل "
      وليس أدل من خمسين سنة يحتاجها الإنسان الذي يريد أن يكتسب تربية تمكنه من أن يكون عارفا للخير في ذاته، قادرا على التصرف السليم ونفع المجتمع...
      روســّـــــــــو :
      نفس هذا المشكل الكبير " مشكل الإنسان " نجده مطروحا في كتاب روســّو " إميل " هذا الإنسان المضطرّ إلى مصارعة الطبيعة أو المؤسسات الاجتماعية ، فيجب الاختيار لتكوين إنسان أو مواطن ، لأنه لا يمكن ( حسب روسو) أن يكون الفرد في نفس الوقت هذا وذاك . وهكذا نلاحظ أنه ما كان متجمعا عند أفلاطون أصبح مفرّقا عند روسّو، حتى يمكن التفريق بين "إنسان" و "مواطن" .
      ـ " فمواطن" مفهوم جليّ، وهو يُحيل إلى قوانين وحقوق وقومية. وبهذا المفهوم للمواطن هناك خطر الانغلاق في القومية.
      بينما " إنسان " مفهوم أقل تحديدا، وهو يحيل إلى الفرد الذي يجب عليه أن ينمّي قدراته أي طبيعته، وبعيش الفرد على طبيعته يصبح إنسانا ..
      ولكي يحقق الإنسان ذاته حسب ما جاء في ( إميل ) يجب عليه تحطيم الحدود القومية ففكرة الإنسان هي التي تحتوي فكرة المواطن . و يمكن للفرد العيش كإنسان في مدينة سيئة التكوين وذلك بإتباع قانون (داخلي / ذاتي ) منقوش في القلب ويكون هذا القانون أخلاقيا أو سياسيا. فالحرية إذن لا توجد في أي شكل من أشكال الحكومة، إنها مستقرة في قلب الإنسان الحر, وهو يحملها معه أينما ذهب. أما الإنسان الوضيع فإنه يعيش في كل مكان في يقين لأنه لا يفكر ولا يهتم بالفضيلة، ولذلك يمكن أن يكون عبدا في جنيف و حرا في باريس..  يتعلق الأمر هنا بأطروحة أفلاطونية.
      السؤال البيداغوجي المركزي إذن هو : كيف يمكن تكوين إنسان فاضل مستقل ؟
      فالسؤال عن التربية لا يُطرح إذن إلا انطلاقا من الفارق بين الفرد الذي يعيش دائما في دولة والإنسان الذي يتصرف طبق قواعد عامة.
      كيف يمكن لحكومة فاسدة لا يعبر القانون فيها إلا عن النزوات والمصالح الفردية أن تربي الإنسان على الفضيلة ؟ يجب حسب روسو إحياء معنى المثل الأعلى للحكمة الذي يؤكد ضرورة الحياة الاجتماعية والحاجة الأكيدة للقيم الأخلاقية . وهذا النموذج هو من إهداء الحكيم ( سقراط ) .
      كـــانــــــــــــط :
      L’éducation est le plus grand et le plus difficile problème qui puisse être proposé à l’homme
      هكذا يقر كانط بأن التربية هي أعوص المشاكل التي يواجهها الإنسان ، فما هي أسباب هذه الصعوبة ؟
      نقطة الانطلاق هي أن هذا المشكل خاص بالشرف ولا يمكن أن يطرح على الحيوان الذي يولد بغرائز تسيّره وتحمله على أن يكون ما سيكونه طيلة حياته .
      أما الإنسان فهو ليس في الأصل شيئا ، ويجب عليه أن يصبح بعد ذلك شيئا ( باكتساب التربية والتعليم والثقافة ) وفي هذه المرحلة تُطرح ثلاثة أسئلة :
      ماذا يجب على الإنسان أن يكون ؟ ماذا يقدر أن يفعل ؟ ما هي حدود قدراته ؟
      يجب أن ننظر هنا إلى فكرة( أن يكون الإنسان إنسانا) من ثلاث زوايا هي : الوجهة والقدرة والحدود . وإذا وجدنا صعوبة في توجيه الإنسان في صيرورته الإنسانية أي في تأسيس تربية فذلك لكون المكلف بتربيته هو أيضا إنسان متأثر بطبيعته الخشنة ويجب عليه أن يعطي للآخر ما هو نفسه في حاجة إليه ، وهذا ما يجعل الإنسان يحيد دوما عن غايته .
      الإنسان ـ حسب كانط ـ في حاجة إلى معلم ، وهذا طبيعي ، ولكن هذا المعلم هو بدوره في حاجة إلى معلم ، وهنا تظهر الصعوبة لأن الإنسان نفسه الذي كلفَ غيره بتعليم الإنسان ليس بعدُ إنسانا عند كانط ...
      ويفسر كانط هذه الصعوبة بأن الإنسان حيوان في حاجة إلى معلم ، لكن أين سيجد هذا المعلم ؟ لن يجده في أي مكان إلا في النوع البشري . إذن هذا المعلم بدوره حيوان مثله وفي حاجة إلى معلم. وهكذا فإن الحل حسب كانط هو ربط صيرورة الإنسان به لا بغيره فليس هناك كائن أرقى منه يسيره ، ولو تحقق هذا سنرى ماذا يمكن أن نفعل بالإنسان والقول بأن صيرورة الإنسان بيده هو قول بأن الإنسان حرّ. وهذه الحرية هي سبب صعوبة المشكل التربوي ، لأن حريتنا تضعنا في مواجهة مسؤوليتنا ، ولا تعني أن تفعل أي سلطة أي شيء ، فأن يكون الإنسان حرا هو بالأساس أن يكون مسؤولا عن نفسه .
      فوائد هذا القول بالحرية هي :
      ـ إن الإنسان قادر على التطور المستمر، وهذا أفضل من القول بأن طبيعة الإنسان تتطور دوما بالتربية ( لأن الأمر يصبح بيده )
      ـ إن الإنسان لكونه حرا فهو المخلوق الوحيد الذي يجب أن يتلقى تربية
      ـ القول بأن الإنسان حر قول بأنه يملك مستقبلا، ويقدر أن يصنع تاريخا
      ـ أنه مسؤول عن سعادته وشقائه
      ـ أنه مركز التاريخ وأن الطبيعة بكليتها خاضعة له
       ولكن لكون الإنسان حرا يجب عليه أن يتـثـقـف بنفسه وأن يختار، فالحرية مطلب ثقافي، أي أن هذه الحرية في حاجة إلى أن تتهذب وتُصقل من خشونتها. المقصود هنا تقييد هذه الحرية في شكل " حرية اختيار " إذ لو تبقى هذه الحرية دون تنظيم وتهذيب فإنها ستتسبب في الاضطرابات الأكثر والأخطر في تاريخ البشرية، فالعدو الأكثر قسوة للإنسان هو الإنسان. وقد أشار أرسطو إلى أن " إتباع الإنسان لهواه وميله للرذيلة أخطر من حيوانية الحيوان" وذلك حسب رأيي لأن حيوانية الحيوان طبيعية ومحدودة فالحيوان الذي تُشبع غرائزه أقل خطرا من الإنسان الذي يسير حسب هواه و غرائزه لأنه لا يشبع ولا يقف عند حد...
      هذه الحرية الثمينة والهشة في نفس الوقت وسبب الخير كما هي سبب الشر، هي التي أسست المؤسسة التربوية ولكن هي أيضا التي جعلتها ضعيفة والأكيد أن التطور ممكن لكنه لن يسير دون تعثر.
      في إطار هذا التطور و هذا التعثر الممكن فإن الإنسانية كلها هي المعنية. فالتربية إذن هي تجربة الإنسانية، ولو أصبحت علما بالمعنى الصارم للكلمة فالنتيجة هي أن يكون الإنسان غير حر أو أن يرتفع العقل ليبلغ المعرفة المطلقة التي لا يملكها إلا الله.
      فالتربية إذن تجربة وليست معرفة، وهي تعني الإنسانية كلها ومن هنا تتصل بفلسفة التاريخ...
      والإنسان مطالب بالعمل والترقي ليعطي معنى لذاته ولوجوده. وأن يكون الشخص معلما لا يعني أن يعطي معنى لحياته فقط وإنما يعني أيضا مساعدة الآخرين على إعطاء معنى لحياتهم... وبذلك يتجاوز جهد المعلم ذاته نحو الكوني... وتصبح التربية منبع سعادة عظمى للإنسان ، ويكون كانط صادقا حين يقول :
      L’éducation est le plus difficile problème qui puisse être proposé à l’homme ; mais elle est aussi la source de la joie la plus noble que l’homme puisse goûter
      هيڤــــــــــــل:
      كل أعمال هيڤــــل تؤكد الأهمية القصوى للتربية والتكوين في صيرورة الإنسانية . وإذا كان مركز فلسفة التاريخ هو الحرية ، فإن الحرية لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح يرتكز على التكوين ، يعني على التربية التي تجعل الشخص يتفوق على ذاته ، أي إنسان اليوم (الذي اكتسب تربية) أرقى من إنسان الأمس ( دون تربية ) ...
      ـ هيڤــــل الذي اطلع على " إميل " لروسو أعاد تأكيد مبدأ البيداغوجيا الحديثة التي ترتكز على " الفعل في الناس " بأخذهم " كــَمَا هُمْ " وعن طريق الحيلة البيداغوجية يقع إقناع المتعلمين بأن التربية ذاتية لتنشيطهم وتحريكهم من الداخل . المحتوى الأساسي لأعمال هيڤــــل ـ كتطوير للتاريخ العام ـ هو البيداغوجيا العلمية التي بفضلها ينمو الوعي الفردي جدليا من التحديد الامبيريقي إلى المعرفة المطلقة للعقل الكلي . إن تطور " نظام العلم " هو الآخر من جوهر بيداغوجي . فهيڤــــل كما يرى البعض هو وبامتياز " بيداغوجي الفلسفة والفيلسوف البيداغوجي "
      Hegel se présenterait comme étant par excellence le pédagogue de la philosophie, le philosophe pédagogue / Bourgeois
      ـ لقد قرأ هيڤــــل " إميل " كما قلنا ووجد فيها حكاية أولى عن الوعي الطبيعي يتربى بنفسه ، من خلال تجارب خاصة به ومكوّنة للحرية ، فأكد على الطابع البيداغوجي للأثر وعلى العلاقة بين تطور الفرد وتطور النوع على غرار روسو. فالمشكل الذي أثير في كتاب هيڤــــل " فينومينولوجيا العقل " إذن ليس هو تاريخ العالم ولكنه مشكل تربية الفرد الذي يجب أن يتكون ضروريا بالمعرفة .. وهذا عمل بيداغوجي خالص له علاقة بما سبق أن طرحه روسّو في " إميل " .
      مفهوم التربيــــــــة :
      للتربية مفاهيم متعددة، فعبارة " تربية " تحيل إلى فكرة المؤسسة والنظام التربوي. ويمكن أن تعني أيضا الفعل الذي يمارسه المربي على المتعلم. كما يمكن أن تحيل أيضا على مسار التغيير بالنسبة للمتعلم، و قد تعني نتيجة هذا المسار أو هذا الفعل. معنى هذه العبارة يمكن أن يُحدَّدَ أيضا انطلاقا من السؤال عن محتوى التعليم أو غايته، أو من القيم التي وقع تبنيها كنظام مرجعي ثقافي أو أخلاقي.
      من وجهة نظر إيتيمولوجية ( اشتقاقية ) كلمة " éducation " لها معنيان، فإذا أرجعناها إلى الكلمة اللاتينية " educare " وجدناها تعني "غذى" وتحيل بذلك إلى فعل واقع من خارج. ونفس هذا المعنى نجده في لسان العرب عن الجوهري: ربّيته تربية وتربّيْته أي غـَذوْتــُه ويطلق على كل ما ينمو كالولد والزرع ...
      وإذا أرجعنا كلمة تربية إلى جذر لاتيني ثان هو "edecere " وجدناها تعني معنى (أخرج من / قاد إلى / ربــّى: نــشـــّأ ) وهو معنى ورد أيضا في لسان العرب عن الأصمعي : ربوْتُ في بني فلان أي نشأتُ فيهم .
      وهذا المعنى الثاني له جدارة الإشارة إلى الدور الفاعل للمتعلم على الأقل في ظهور المسار والغاية .
      ونحن هنا لسنا أمام مفهوم متعدد المعاني فقط ولكننا أمام مفهوم متضخم المعاني، فهو يعني أشياء كثيرة كالتنشئة والقيادة والنشاط والاكتساب والمبادرة والسلطة...
      وإذا أضفنا إلى تعدد المعاني وتضخمها تعدد المواد وجدنا أنفسنا مُلزمين بقراءة كل مفهوم للتربية بطريقة مختلفة ..فتحديد مفهوم التربية إذن يجب أن يستند إلى شبكة تحمل قائمتين من المعايير : معايير تتعلق بالحقل المفهومي ، وأخرى تتعلق بالبحث العلمي . فلو أخذنا مثلا المفهوم الذي يقدم النشاط عند المتعلم فإننا سنتحدث عن كل البيداغوجيا الحديثة ، وهكذا ...
      مبادئ البيداغوجيا الحديثة :
      أـ ضرورة تأسيس العلاقة بالمعرفة على الحرية :
      استدعاء الحرية الطبيعية للطفل لتصبح هنا هي السبب الداخلي الدافع له le leitmotiv ليشعر بحريته في الاختيار والفعل، فيكون الفعل ذاتيا ذا معنى. فحضور هذه الحرية واحترامها عند المتعلم هي التي تسمح لنا بالتفريق بين التعلّم والترويض. إن التعلم يتضمن معنى التدرّب والدافعية الذاتية للتعلم ، فالبيداغوجيا الحديثة لا تهدف إلى مجرد ترسيخ المعارف والمعلومات بقدر ما تهدف إلى تمكين المتعلم من الفهم ، " والفهم على حد تعبير ريبول عملية لا يستطيع أي شخص أن يقوم بها بدلا عني، إنها عملية تقبّـلٍ صادرة عنّي وراجعة إليّ "
      وهذا التقبل من المتعلم يحتاج إرادة وعزما وتركيزا وحضورا لكل المدارك والمشاعر... أي يحتاج حرية .
      ب ـ رفض السلطة والنفوذ : ترمي البيداغوجيا الحديثة إلى تحديد دور المربّي فالعلاقة البيداغوجية لا يجب أن تكون " توجيهية " وكارل رودجرس يرى إمكانية بيداغوجيا دون معلم، بيداغوجيا مركزة على المتعلم. ولتحقيق ذلك استند إلى تجربة دينامية المجموعات، ففي عمل فِرقي يكون القصد للتعلم أقل من القصد للتحرر من القلق الناتج من السلطة.
      وقد انتفع " تولستوي " بالنقد الموجه للمدرسة التقليدية وتأثر بآراء روسّو و بستالّوزي وأنشأ مدرسة لتجريب تربية قائمة على حرية المعلم والمتعلم، وهو يريد بذلك استبعاد فكرة أن التربية هي تأثير إجباري من شخص على شخص آخر بغاية تكوين إنسان حسن كما يرى هو. فالمدرسة حسب رأيه يجب أن تكون خلاف هذا، المكان الذي تتحقق فيه المعرفة بالاكتساب الطبيعي و العفوي لثقافة ما. وفي كلمة: المعيار الوحيد للبيداغوجيا هو الحرية ، والطريقة الوحيدة لها هي التجربة .
      ج ـ معرفة الطفل: البيداغوجيا الحديثة تلتمس المعرفة من الطفل ، وقد نشأت هذه الفكرة مع " إميل " لروسو:" الأكثر حكمة يتعلقون بما يجلب المعرفة للناس دون اعتبار للشيء الذي يكون الطفل بصدد تعلمه. إنهم يبحثون دوما عن الرجل في الطفل دون تفكير في الطفل قبل أن يصبح رجلا... لنبدأ إذن بحسن دراسة تلاميذنا "
       فلا بد إذن من إدراك جملة من الأشياء منها:
       مراعاة الطفل ومعرفة حاجاته وقدراته لتحقيق الفائدة المرجوة من التربية والتعليم .
       معرفة مكتسبات المتعلم السابقة والبناء عليها.
       معرفة أننا وإن ولّدنا الأفكار منه اقتداء بسقراط فإن هذه الأفكار والمعارف تلد بالمعلم لا من المعلم ، أي أنها أفكار الطفل .
       أننا نستطيع أن نجعل الطفل يستجيب استجابات شرطية ونجعله يقوم ويجلس ويستعرض... لكننا لا نستطيع أن نعرف ماذا جرى في ذهنه ( العلبة السوداء) أثناء تصرفاته .
       أن الطفل له قدرات ذاتية واستعدادات ومهارات واختلافا عن غيره
       أن الطفل يحتاج إلى الآخر في التعلم ...
      د ـ ابستيمولوجيا جديدة : بناء المعرفة :
      العلاقة البيداغوجية الجديدة تقصد مباشرة طرق التدريس، والمعرفة لم تعد تنقل ولكنها أصبحت تُـبنى. فهي ليست نتيجة تُقدم للمتعلم وإنما هي مسار وتمش وبناء ذاتي للمعارف.. ولذلك نحتاج في التعلم للتجربة والوضعيات المشكل. وهنا أيضا روسّو هو المرجع إذ يقول :" ضعوا الأسئلة في متناوله واتركوه يحلّها ..."
      في هذا المنظور يصبح اللعب أداة التعبير المناسبة للطفل ليتصرف في العالم وهي شكل النشاط الوحيد النابع عفويا من وجوده كطفل. فالنشاط المميز للطفل كما يقولون هو اللعب، وإذا كان اللعب يتكون من فعل شيء ما، ويفعله الطفل كتجربة فإنه يتعلّمه.
      التربية و(النفوذ / السلطة) و العنف :
      لما كانت التربية تحتاج إلى نفوذ أدبي ومعرفي.. ولما كان خطر انزلاق النفوذ إلى سلطة واردا، ولما كانت كل سلطة هي في حاجة إلى نوع من العنف حصل الخلط بين النفوذ والسلطة / بين العنف والتربية. وأصبحت التربية في بعض الأوقات تعني مدّ اليد للعصا "tendre la main à la ferule " وقد تغلغل هذا التصور في السلوك في المجال التربوي وأصبح مجرد التفكير في القضاء عليه وهما، ولم يعد الوعي به كافيا للقدرة على تغييره.
      ـ تميل مدارس التحليل النفسي إلى ربط التربية بفتح المجال للأطفال للتعبير عن آرائهم وأفكارهم وميولاتهم حتى نتجنب وسائل القهر والقوة التي تؤثر في الوجدان وتؤدي إلى الإخفاق والفشل. ولكن هناك مفارقة يجب أن نكون واعين بها وهي أن التربية المتحررة من كل ضوابط هي تربية على التسيب والانحلال وعلى ذلك إذا رفضنا السلطة وقعنا في التسيب وإذا قبلنا السلطة وقعنا في الخضوع، وكلاهما خطير في المجال التربوي.
      ـ يقول ابن خلدون في بيان خطر الشدة في التربية: «...إرهاف الحدّ بالتعليم مضرّ بالمتعلم سيما في أصاغر الوُلـــْد لأنه من سوء الملــَكة . ومن كان مرباه بالعسْف والقهْر من المتعلمين أو المماليك أو الخَدَم سطا به القهر وضَيّقَ عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ، وعلّمه المكر والخديعة لذلك ، وصارت له هذه عادة وخُلـُقا وفسدت معاني الإنسانية التي له ... بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخُلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين ..." ( المقدمة / بيروت 1988 ص 743)
      ـ ويقول روسو في ضرورة احترام الطفل ومراعاة طبيعته : " احترموا الطفولة ، ولا تتسرّعوا في الحكم عليها إن في خير أو في شرّ ... اتركوا الطبيعة تفعل مليّا قبل أن تندفعوا وتتصرفوا بدلا منها..." (إميل 2/102 )






  3. #3
    مجلس الإدارة
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    3,496
    • الفَلـْسَفَةُ حقل للبحث والتفكير يسعى إلى فهم غوامض الوجود والواقع، كما يحاول أن يكتشف ماهية الحقيقة والمعرفة، وأن يدرك ماله قيمة أساسية وأهمية عُُظمى في الحياة. كذلك تنظر الفلسفة في العلاقات القائمة بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والمجتمع. والفلسفة نابعة من التعجّب وحب الاستطلاع والرغبة في المعرفة والفهم. بل هي عملية تشمل التحليل والنقد والتفسير والتأمل. وتتناول هذه المقالة الفلسفة في الغرب والشرق الأقصى مع التركيز على الفلسفة الغربية. أما الفلسفة الإسلامية فقد أفرد لها مقال مستقل.


      كلمة فلسفة لا يمـكـن تحديـد معـناهـا بدقـة؛ لأن موضوعها مُعقد جدًا ومثير للجدال. فقد تختلف آراء الفلاسفة حول طبيعتها ومناهجها ومجالها. أما كلمة فلسفة في حد ذاتها فأصلها من الكلمة اليونانية فيلاسوفيا التي تعني حب الحكمة. بناءً على ذلك فالحكمة تتمثل في الاستخدام الإيجابي للذكاء، وليست شيئًا سلبيًا قد يمتلكه الإنسان.
      عاش رواد الفلسفة الغربية المعروفون، في اليونان القديمة في مطلع السنوات الخمسمائة الأولى ق.م. وقد حاول هؤلاء الفلاسفة الأوائل أن يكتشفوا التركيب الأساسي للأشياء، وكذا طبيعة العالم والواقع. وكان الناس في استفسارهم عن مثل هذه المسائل، يعتمدون إلى حد كبير على السحر والخرافات وأصحاب الخبرة. لكن فلاسفة اليونان اعتبروا هذه المصادر من المعرفة غير موثوقة، وعوضًا عن ذلك التمسوا الأجوبة عن تلك المسائل بالتفكير ودراسة الطبيعة.
      للفلسفة أيضا تاريخ طويل في بعض الثقافات غير الغربية، خصوصا في الصين والهند. ويرجع عدم التبادل بين الشرق والغرب إلى صعوبات السفر والاتصال بالدرجة الأولى، مما جعل الفلسفة الغربية تتطور على العموم بصورة مستقلة عن الفلسفة الشرقية.
    • مصطلحات فلسفية
      ________________________________________
      الأبيقورية هي الاعتقاد بأن اللذة الحقيقية مرهونة بضبط النفس والاعتدال والسلوك القويم.
      الأخلاق فرع من الفلسفة يدرس سيرة الإنسان وطبيعة الحق والباطل.
      التجريبية مفادها أن التجربة مصدر ومخبر المعرفة.
      الجدلية الهيجلية . في فلسفة ف. هيجل هي مجرى التغير الحاصل بالصراع بين المتناقضات. هذا الصراع يفرز أمرًا جديداً يسمى (التركيب)، كما أن التركيب بدوره يتصارع مع نقيضه.
      الحتمية الجدلية الهيجلية المذهب القائل: إن كل الأحداث لها أسباب وتقع بالضرورة.
      الذرائعية فلسفة تختبر الحقائق، وتقدر قيمة الأفكار بما لها من نتائج عملية.
      الشكوكية التأكيد بأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة حقائق الأشياء.
      العقلانية تقول إن العقل الأساس الوحيد للمعرفة بصرف النظر عن الحواس.
      علم الجمال فرع من الفلسفة يدرس الفن والجمال.
      علم الكونيات يدرس الكون الفيزيقي.
      المادية الاعتقاد بأن المادة وحدها لها وجود واقعي وأن الظواهر العقلية ناتجة عن النشاط المادي.
      المثالية قوامها الاعتقاد بأن الواقع المطلق يتألف من العقول والأفكار، لا من الأشياء المادية. ويعتقد المثاليون أن وجود الأشياء مرهون بالعقول والأفكار.
      مذهب اللذّة الاعتقاد بأن اللذّة هي الخير الأسمى.
      مذهب المنفعة الاعتقاد بأن سيرة الإنسان ينبغي أن يكون أساسها عمل الخير لأكبر عدد ممكن من الناس.
      الميتافيزيقيا (علم ما وراء الطبيعة) فرع من الفلسفة يسعى إلى فهم سر الكينونة والواقعية.
      المنطق فرع من الفلسفة يعنى بمبادئ المحاكمة العقلية.
      النزعة الإنسانية تؤكد على قيمة الإنسان وطبيعته المتميزة في العالم.
      نظرية المعرفة فرع من الفلسفة يدرس طبيعة المعرفة وأساسها ومداها.
      الواقعية تقول إن الأشياء لها وجود يخصها بصرف النظر عما قد يفكر الناس فيها.


      أهمية الفلسفة

      الفكر الفلسفي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان؛ فما من أحد من غير المؤمنين تقريبًا إلا وقد وجد نفسه بين الحين والآخر مُحتارًا أمام أسئلة يغلب عليها الطابع الفلسفي من نوع: ما معنى الحياة؟ هل كان لي وجود قبل ميلادي؟ هل من حياة بعد الموت؟ أما المؤمنون فقد تعرض لهم هذه الأسئلة ذاتها، ولكنهم سرعان ما يجدون الإجابة عنها بما أوتوا من العلم مما أنزله الله في كتبه الناطقة بالحق المنزلة بالصدق وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم. ولمعظم الناس نوع من الفلسفة من حيث نظرتهم الشخصية إلى الحياة، وحتى الإنسان الذي يعتقد أن الخوض في المسائل الفلسفية مضيعة للوقت، تجده مع ذلك يولي اهتمامه لكل ما هو عظيم وذو شأن وقيمة.
      يستطيع الإنسان بدراسة الفلسفة، أن يوضح جوانب الغموض في مُعتقداته، فيدفعه ذلك إلى التفكير في المسائل الأساسية، ويصبح قادرا على دراسة آراء الفلاسفة القدامى، لكي يفهم لماذا فكروا على النحو الذي فكروا فيه، وأي أثر يمكن لأفكارهم أن تحدثه في حياته.كما أن العديد من الناس يجدون متعة في قراءة آثار كبار الفلاسفة خصوصًا كبار الكتاب منهم.
      للفلسفة تأثير كبير في حياتنا اليومية، وحتى في اللغة التي نتحدث بها نصنف الأمور تصنيفا مستمدًا من الفلسفة، فعلى سبيل المثال فإن تصنيف الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، يتضمن فكرة فلسفية مفادها أنه يوجد اختلاف بين الكلمات وما يحدث لها. وعندما نتساءل: ما الفرق بين ذا وذاك؟ فإننا بهذا السؤال نشرع في إجراء تحقيق فلسفي.
      ما من مؤسسة اجتماعية إلا وهي مرتكزة على أفكار فلسفية، سواء في مجال التشريع أو نظام الحكم أو الدين أو الأسرة أو الزواج أو الصناعة أو المهنة أو التربية. وإن الخلافات الفلسفية قد أدت إلى الإطاحة بالحكومات وإحداث تغييرات جذرية في القوانين وتحويل الأنظمة الاقتصادية بالكامل. إن تلك التغييرات ما كانت لتقع إلا لأن الناس المعنيين بالأمر كانت لهم آراء يؤمنون بها حول ما يعتبرون أنه الأهم والأقرب إلى الحقيقة والواقع والأكثر فائدة، وحول الكيفية التي يجب أن تنظم بها الحياة.
      تسير الأنظمة التربوية بمقتضى الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يجب أن يتعلمه الأطفال، ولأي غرض يتعلمون. وتؤكد الأنظمة الديمقراطية على ضرورة تعليم الإنسان كيف يفكر، وكيف يختار بنفسه ما ينفعه. أما المجتمعات التي تفتقد الشورى والحوار فإنها تثبط أمثال هذه المبادرات، وتريد من المواطنين أن يتنازلوا عن مصالحهم لفائدة الدولة. وهكذا فالقيم والمهارات التي يعلمها النظام التربوي إنما تعبر عن الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يعتبره هو الأهم والأصلح.

      فروع الفلسفة
      يمكن القيام باستقصاء فلسفي في أي موضوع، لأن الفلسفة تتناول كل ما يوجد في الكون وكل ما له ارتباط بالمعرفة. على أنه من أجل تحقيق أغراض الدراسة، قد جرت العادة أن تُقسم الفلسفة إلى خمسة فروع، وكل فرع ينتظم فيه البحث حول عدد من المسائل المتميزة. هذه الفروع هي: 1- ماوراء الطبيعة (الميتافيزيقا). 2- نظرية المعرفة. 3- المنطق. 4- الأخلاق. 5- علم الجمال. وفضلاً عن ذلك فقد عظم شأن فلسفة اللغة في القرن العشرين، حتى أصبح البعض يعتبرها فرعًا آخر من فروع الفلسفة.
      ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا). علم يدرس الواقع والوجود من حيث طبيعتهما الأساسية، كما يدرس ماهية الأشياء. ومن الباحثين من يقسم علم ما وراء الطبيعة إلى ميدانين: علم الوجود، وعلم الكون. فعلم الوجود يدرس الموجودات؛ أما علم الكون فيدرس الكون الطبيعي ككل. كما أن علم الكون يُقصد به ذلك الفرع من العلوم الذي يدرس نظام الكون وتاريخه ومستقبله.
      يتناول علم ما وراء الطبيعة مسائل من نوع: ما الواقع؟ ما الفرق بين الظاهر والواقع؟ ما المبادئ والمفاهيم العامة التي يمكن بموجبها تأويل تجاربنا وفهمها؟ هل لدينا إرادة حرة أم أن أعمالنا مُسيرة بأسباب ليس لنا فيها خيار؟
      لقد أوجد الفلاسفة عددًا من النظريات في علم ما وراء الطبيعة وهي: المادية، والمثالية، والآلية، والغائية. إن المادية تؤكد أن المادة وحدها هي التي لها وجود حقيقي، وأن المشاعر والأفكار وغير ذلك من الظواهر العقلية إنما هي ناتجة عن نشاط المادة. وتقرر المثالية بأن أي شيء مادي إنما هو فكرة أو شكل من أشكال الفكرة، وبمقتضاها فإن الظواهر العقلية هي وحدها المهمة والمطابقة للحقيقة. أما الآلية فتؤكد أن كل الأحداث إنما هي ناتجة عن قوى آلية محضة، وليس عن غاية معينة، بل لا يعقل أن نقول إن الكون في حد ذاته من ورائه غاية معينة. أما الغائية، فهي على العكس، تقرر بأن الكون وكل شيء فيه يتصف بالوجود والحدوث من أجل غاية معينة.
      نظرية المعرفة. هدفها تحديد طبيعة المعرفة وأساسها ومجالها، كما تستكشف الطرائق المختلفة المؤدية إلى المعرفة وجوهر الحقيقة والعلاقات بين المعرفة والإيمان. إن نظرية المعرفة تطرح أمثال الأسئلة الآتية: ما العلامات الدالة على المعرفة الصادقة من أجل تمييزها عن المعرفة الكاذبة؟ ما الحقيقة، وكيف يمكن أن نعرف الصواب والخطأ؟ هل هناك أنواع مختلفة من المعرفة؟ وهل لكل واحدة منها حُجج وخصائص؟
      كثيرًا ما يميز الفلاسفة بين نوعين من المعرفة: القَبْلية، والتجريبية. نتوصل إلى المعرفة القبلية بالتفكير من غير أن نستعين بالتجربة، مثلا، نعرف أن الدقيقة تشتمل على ستين ثانية، عن طريق تعلمنا لمعنى كل من العبارتين. بالطريقة نفسها نعرف أن الساعة فيها أيضًا ستون دقيقة، ومن هاتين المسألتين نستنتج أن الساعة تشتمل على 3,600 ثانية، ونتوصل إلى هذا الاستنتاج بمجرد عملية فكرية. أما المعرفة التجريبية فنكتسبها من الملاحظة والتجربة. مثلاً، نعرف بالملاحظة كم مفتاحا في الآلة الكاتبة؟ كما نعرف بالتجربة أيّ المفاتيح يطبع أي حرف؟
      إن جوهر الحقيقة قد حيّر الناس منذ قديم الزمان، ربما لأن الناس كثيرًا ما يُطلقون صفة حقيقي على أفكار يتجاوبون معها ويميلون إليها، وكذلك لأنهم كثيرا ما يختلفون في الرأي حول أي من الأفكار تطابق الحقيقة. لقد حاول الفلاسفة أن يحددوا معايير الحكم من أجل التمييز بين الصواب والخطأ، ولكنهم اختلفوا حول معنى الحقيقة، وكيف يمكن التوصل إلى أفكار مطابقة للحقيقة. إن نظرية التطابق تقول: إن الفكرة تعتبر حقيقية إذا كانت مطابقة للوقائع والمجريات. أما النظرية الذرائعية أو البرغماتية، فتؤكد أن الفكرة تطابق الحقيقة، إذا هي أثرت في المشكلة المطروحة، أو قدمت لها حلاًّ. أما نظرية الترابط فتقول: إن الحقيقة مقياسها في الدرجة؛ أي أن الفكرة مطابقة للحقيقة بمقدار ما هي متماسكة أو متوافقة مع أفكار أخرى يؤمن بها الإنسان.
      أما النظرية الشكوكية فتدَّعي أنه من المستحيل التوصل إلى المعرفة، وأن وجه الحقيقة لا يمكن أن يُعرف.
      المنطق. يتناول بالدراسة مبادئ وطرائق المحاكمة العقلية؛ فهو يستكشف كيفيات التمييز بين المحاكمة القويمة والمحاكمة السقيمة. ويُسمَّى المثال المستخدم في المحاكمة البرهان أو الاستدلال. يتمثل البرهان في جملة من الحجج تسمى مقدمات، وهذه تقترن بحجة أخرى تسمى النتائج التي من المفروض أن تستند إلى المقدمات أو تنبثق عنها. إن البرهان القوي يكون سندًا للنتائج، بعكس البرهان الضعيف.
      يوجد نوعان أساسيان من المحاكمة العقلية، يسمى أحدهما الاستنتاج والآخر الاستقراء.
      يوصف البرهان الاستنتاجي بأنه صحيح عندما يأتي الحكم صحيحًا بالضرورة من المقدمتين. ويوصف بأنه باطل إذا كان حكمه النهائي لا يتولد بالضرورة عن المقدمتين. فالبرهان الذي صيغته: البشر كلهم عُرضة للموت. اليونانيون بشر. إذن اليونانيون كلهم عُرضة للموت، هذا البرهان الاستنتاجي صحيح. لكن البرهان الذي صيغته: البشر كلهم عُرضة للموت. اليونانيون كلهم عُرضة للموت. إذن اليونانيون كلهم بشر، هذا البرهان باطل وإن كان الحكم النهائي صحيحًا، لأن هذا المنوال من المحاكمة العقلية يجعلنا نفترض جدلاً أن الكلاب باعتبار أنها أيضًا عُرضة للموت هي بشر أيضًا.
      تُستعمل المحاكمة العقلية الاستنتاجية لاستكشاف النتائج المترتبة على بعض الافتراضات، أما المحاكمة العقلية الاستقرائية فيستعان بها لإثبات الوقائع والقوانين الطبيعية، وليس هدفها أن تكون صحيحة من الناحية الاستنتاجية. فالذي يحكم عقليًا أن السناجب تحب الجوز، على أساس أن كل السناجب التي رصدها تحب الجوز، يكون قد بنى حكمه بطريقة استقرائية. فالحكم النهائي قد يكون هنا باطلاً حتى ولو كانت المقدمة صحيحة. ومع ذلك فالمقدمة توفر سندًا قويًا لاستخلاص الحكم النهائي.
      الأخلاق. لها علاقة بسيرة الإنسان وشخصيته وقيمه، فهي تدرس طبيعة الصواب والخطأ، وتميّز بين الخير والشر. فالأخلاق تستكشف خصائص العدل والمجتمع العادل، وكذلك واجبات الإنسان نحو ذاته ونحو غيره ونحو المجتمع.
      تطرح الأخلاق أمثال الأسئلة الآتية: ما وجه الصواب في العمل الصائب؟ وما وجه الخطأ في العمل الخاطئ؟ ما الخير وما الشر؟ ما القيم الخاصة بالحياة؟ قد تبرز المشاكل في مجال الأخلاق، لأننا كثيرًا ما نجد صعوبة في إدراك ما يلزم القيام به. وفي العديد من الحالات تتعارض واجباتنا، أو تبدو لنا غامضة فضلاً عن كون الناس كثيرًا ما يختلفون حول ما إذا كان عمل من الأعمال أو مبدأ من المبادئ، صائبًا أو خاطئًا من الناحية الأخلاقية.
      أما وجهة النظر المسماة مذهب النسبية فتقول: إن الصواب والخطأ كلاهما مرهون بنوعية الثقافة المعنية. فما هو صائب في مجتمع قد يكون خاطئًا في مجتمع آخر. هذه النظرة تعتمد على المجادلة، لذا لا توجد معايير أساسية يمكن بموجبها أن نحكم بأن ثقافة ما، على صواب أو على خطأ. أما النظرية الموضوعية فتدعي أنه توجد معايير موضوعية للصواب والخطأ يمكن اكتشافها وانطباقها على أي إنسان. أما النظرية الذاتية فتقول: إن كل المعايير الأخلاقية ما هي إلا مسائل لها علاقة بالذوق أو الرأي.
      علم الجمال. يبحث في الإبداع، وكذا في المبادئ التي يقوم عليها الفن والجمال، كما أنه يدرس أفكارنا ومشاعرنا ومواقفنا حينما نرى ونسمع ونطالع شيئًا جميلاً قد يتمثل في شيء جميل، كالأثر الفني، مثل الرسم أو السيمفونية أو القصيدة، أو غروب الشمس أو غيره من الظواهر الطبيعية. فضلاً عن ذلك، فإن علم الجمال يستقصي الخبرة التي اكتسبها من يمارس بعض الأنشطة المختلفة مثل الرسم بأنواعه المختلفة والتمثيل السينمائي والمسرحي.
      يتطابق علم الجمال أحيانًا مع فلسفة الفن التي تبحث دائمًا في طبيعة الفن ومجريات الإبداع الفني وطبيعة التجربة الجمالية ومبادئ النقد. لكن ميادين تطبيق علم الجمال أوسع، حيث تشتمل على الأعمال الفنية التي أبدعها الإنسان، وكذا مظاهر الجمال الملحوظة في الطبيعة.
      ندرك علاقة علم الجمال بالأخلاق و الفلسفة السياسية حينما نتساءل: أي دور ينبغي أن يؤديه الفن والجمال في المجتمع، وفي حياة الفرد؟ من بين تلك الأسئلة أيضًا: كيف يمكن تحسين ذوق الإنسان في مجالات الفن؟ وكيف ينبغي أن نعلّم الفنون في المدارس؟ هل للحكومات حق في وضع القيود للتعبير الفني؟
      فلسفة اللغة. أصبحت ذات أهمية خاصة في الأعوام الأخيرة؛ فبعض الفلاسفة يؤكدون أن جميع المسائل الفلسفية نابعة من مشكلات لغوية، ويؤكد آخرون أن جميع المسائل الفلسفية ما هي في الواقع إلا مسائل تدور حول اللغة. من بين الأسئلة الأساسية هذا السؤال: ما اللغة؟ لكن توجد أسئلة أخرى حول العلاقات بين اللغة والفكر وبين اللغة والعالم، وكذا أسئلة حول طبيعة المعنى والتعريف.
      أثيرت مسألة ما إذا كان من الممكن وجود لغة منطقية، تتصف بالكمال، وتعبر مضامينها عن خصائص العالم الأساسية. هذه المسألة تثير مسائل أخرى حول كفاية اللغة العادية لكي تكون أداة للفلسفة. فهذه المسائل كلها تندرج في نطاق فلسفة اللغة التي لها ارتباطات وثيقة مع الفروع الأخرى من الفلسفة.
      الفلسفة والميادين الأخرى
      من خصائص الفلسفة أن السؤال: ما الفلسفة؟ هو في حد ذاته سؤال فلسفي، لكن السؤال: ما الفن؟ ليس سؤالاً فنيًا بل سؤال فلسفي. نفس الشيء يقال عن الأسئلة الأخرى مثل: ما التاريخ؟ و ما القانون؟ فكل واحد منهما سؤال فلسفي. لذلك فأمثال هذه الأسئلة تنطبق على فلسفة التربية وفلسفة التاريخ وفلسفة القانون وغير ذلك من ميادين العلوم. إن كل واحد من هذه الميادين، يحاول أن يحدد الأسس والمقولات الجوهرية والمناهج الصالحة لمؤسسة ما أولقطاع خاص من الدراسة. لذلك توجد علاقة قوية بين الفلسفة والميادين الأخرى من النشاط. وهذا ما يتضح بالنظر في اثنين من الميادين: 1- الفلسفة والعلم. 2- الفلسفة والدين.
      الفلسفة والعلم. إن العلم يدرس الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية. لكن العلم لا يدرس العلم في حد ذاته. وعندما يفكر العلم في ذاته، فإنه يتحول إلى ما يسمى فلسفة العلم التي تتناول عددًا من المسائل الفلسفية من بينها: ما العلم؟ ما المنهج العلمي؟ هل الحقيقة العلمية تطلعنا على حقيقة العالم والواقع؟ وما قيمة العلم؟
      تولّدت عن الفلسفة عدة ميادين مهمة من العلوم. ولم يكن هناك من تمييز بين العلم والفلسفة إلى نهاية القرن السابع عشر الميلادي. فعلى سبيل المثال، كانت الفيزياء تسمى الفلسفة الطبيعية. بينما كان علم النفس يشكل جزءا مما يسمى الفلسفة الخلقية. أما في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، فقد انفصل علم الاجتماع واللسانيات عن الفلسفة وصارا ميدانين متميزين من العلوم. وكان المنطق دائمًا يعتبر من فروع الفلسفة، لكنه تطور كثيرا، حتى صار يُعد فرعًا من فروع الرياضيات التي هي من العلوم الأساسية.
      الفلسفة والعلم يختلفان من عدة وجوه، على سبيل المثال، فقد بلغ العلم الدرجة القصوى في المعرفة الاختبارية بالنسبة للعديد من المواد، واستطاع بالتالي أن يفصل في العديد من الخلافات حولها، عكس الفلسفة. وقد نتج عن ذلك أن الجدل كان دائمًا عن خصائص الفلسفة. على أن العلم والفلسفة يشتركان في هدف واحد مهم: فكل منهما يسعى لاكتشاف الحقيقة، وحل المشكلات وإرضاء غريزة حب الاستطلاع، كما أنهما يثيران المزيد من المسائل والمشكلات، بحيث يجلب كل حلٍّ معه المزيد من المسائل والمشكلات.
      الفلسفة والدين. كانت الفلسفة في العصور القديمة نتيجة لتساؤلات متعددة حول طبيعة الحياة والكون والإنسان، وكان بسبب ذلك تأملات في هذه الأمور نمت وتطوّرت حتى أضحت تشكل ما عرف بالفلسفة. وكذلك فقد مازجت هذه التأملات نظرات دينية في عدد من المناطق التي كانت فيها حضارة ما، وقد دارت تلك التساؤلات عن خالق الكون ومسيره وفق نواميس ثابتة، وقد اهتمت الفلسفة في أوروبا في عصورها الوسطى اهتمامًا كبيرًا بموضوع إقامة البرهان على وجود الله سبحانه وتعالى.
      أما الدين فهو في الأصل ما أنزله الله على آدم أبي البشر، ثم دخلت عليه شوائب عدة وخرافات وبدع فاختلف الناس شيعًا ومذاهب، وكانوا قبل ذلك أمة واحدة على الدين الحق، فبعث الله الأنبياء والرسل يردونهم إلى الحق ويهدونهم سواء السبيل. وكان محمد ³ خاتمهم قال تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ يونس: 19 . وقال: ﴿ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ البقرة: 213 .
      ويرى بعض الفلاسفة أن الهدف الرئيسي للفلسفة ليس اكتساب العلم والمعرفة والعمل بهما فقط بل إن مساعدة الناس لكي يتحملوا متاعب الحياة الدنيا وهمومها وشقاءها هدف رئيسي مهم من أهداف الفلسفة. وفي الواقع لا يستطيع تحقيق هذا الهدف إلا الدين.
      ومن هنا كان الفلاسفة الراغبون في تحقيق هذا الهدف يعتمدون على الدين ويتأملون الحقائق الدينية التي يقررها عن الحياة والوجود والمصير.

      الفلسفة الإسلامية
      ترافق تطور العلوم عند العرب والمسلمين ابتداءً من القرن الثاني الهجري مع ظهور اهتمام بالفلسفات الشرقية واليونانية أدى إلى تشكل حركة فلسفية قادها عدد من المفكرين المسلمين من العرب وغير العرب.
      الفلسفة الشرقية
      يوجد فرعان رئيسيان في الفلسفة الشرقية: الفرع الصيني والفرع الهندي، وأساس كل منهما ديني وأخلاقي، من حيث الأصل والطابع، وليس لهما أي اهتمام بالعلم.
      من المعروف عن الفلسفة الصينية أنها كانت دائمًا من حيث أهدافها، عملية، وإنسانية واجتماعية. وقد تطورت باعتبارها وسيلة لإصلاح المجتمع والوضع السياسي. أما الفلسفة الهندية فمعلوم أنه غلب عليها الطابع الروحاني أكثر من الطابع السياسي، وقد اعتمدت بالدرجة الأولى على بعض الكتب المقدسة التي تسمى الفيدا. ويزعمون أنها مُنَزّلة تنزيلاً وصادقة كل الصدق، وبالتالي فهي صالحة للتفسير فقط لا للانتقاد. وقد ركزت معظم الآراء الفلسفية الهندية على الانسحاب من الحياة اليومية، والانقطاع للحياة الروحية. أما الفلسفة الصينية فقد تميزت ببذل الجهود للمشاركة في نشاط الدولة من أجل تحسين ظروف الحياة.
      وكما هو معروف فإن الفلسفة الصينية بدأت في القرن السادس ق.م مع الفيلسوف كونفوشيوس. وقد ظلت فلسفته التي تسمى الكونفوشية، هي فلسفة الصين الرسمية لعدة قرون، ورغم أنها فُسّرت تفسيرات عديدة عبر الأجيال، فقد كان هدفها مساعدة الناس على تحسين حياتهم وإصلاح شؤونهم، عن طريق الانضباط والاطلاع على ما يوافق أهداف حياتهم. وكان المرشحون لمناصب الحكم يُمتحنون في الفكر الكونفوشي الذي هو الأساس فيما تتخذه الحكومة من قرارات. وهكذا فالحضارة الصينية أكثر الحضارات تركيزًا على أهمية الفلسفة.
      ومن المذاهب الفلسفية الأخرى المعروفة والموجودة في الصين: الطاويّة والموهيّة والواقعية، كما ظهرت في القرن الثاني عشر الميلادي حركة تسمى الكونفوشية المحدثة مستفيدة من كل المذاهب الفلسفية التي سبقتها.
      لا نعرف بالضبط متى بدأت الفلسفة الهندية. وقد كان الفكر الفلسفي في الهند متداخلا مع الدين، حيث كان معظمه ذا طابع وهدف ديني. وقد ظهرت التفاسير الفلسفية للكتب المقدسة أثناء القرن السادس ق.م، وتسمى هذه الدراسات في اللغة الهندية باسم دَرْشانا الذي يعني الرؤية، وهو يطابق ما كان يسميه قدماء اليونان فيلاسوفيا.
      كان الناس سواء في الهند أو في الصين، يعتبرون الفلسفة نمطًا في الحياة وليس مجرد نشاط فكري. وكان الهدف الرئيسي في الفلسفة الهندية هو التحرر من العذاب والتوتر الناتجين عن البدن والحواس، والكف عن التشبث بالدنيا وما فيها. وأهم الفلسفات التي ازدهرت في الهند: الهندوسية والبوذية، اللتان تعتبران في الوقت نفسه من الأديان. لكن بعض الفلاسفة الهنود أوجدوا منظومة معقدة من المنطق، وأنجزوا بحوثًا في نظرية المعرفة، وكان لبعض آرائهم الفلسفية تأثير في الغرب ومن بينها تناسخ الأرواح؛ أي الاعتقاد بأن روح الإنسان يمكن أن تحل على التوالي في أجسام أخرى.

      تاريخ الفلسفة الغربية
      ينقسم تاريخ الفلسفة الغربية عادة إلى ثلاث مراحل: القديمة والوسطى والحديثة. تمتد مرحلة الفلسفة القديمة من القرن السابع ق.م إلى القرن الخامس الميلادي. وتمتد مرحلة الفلسفة الوسطى من القرن الخامس إلى القرن السابع عشر الميلاديين. أما مرحلة الفلسفة الحديثة فتمتد من القرن السابع عشر الميلادي حتى العصر الحديث.
      الفلسفة القديمة. كانت في معظمها يونانية. وأعظم الفلاسفة من العهد القديم كانوا ثلاثة من اليونانيين في القرن الخامس والرابع ق.م، وهم سقراط وأفلاطون وأرسطو؛ حيث أثرت فلسفتهم في الثقافة الغربية المتأخرة. فأفكار الغرب المتعلقة بما وراء الطبيعة والعلم والمنطق والأخلاق، يرجع أصلها إليهم، كما أن بعض المدارس الفلسفية المتميزة ازدهرت في بلاد اليونان القديمة.
      السابقون لسقراط. يعتبرون أول الفلاسفة اليونانيين، وترجع تسميتهم إلى أن معظمهم عاشوا قبيل ميلاد سقراط، أي نحو 469ق.م. وكانوا يهتمون على الخصوص بطبيعة الكون ومصدره، وكذا أصل الحقيقة والواقع. كما أرادوا أن يعرفوا الجوهر الكامن وراء المظهر، إذ به يمكن أن ندرك المظهر على حقيقته.
      إن الفلاسفة السابقين لسقراط كانوا، كمعظم المعاصرين لهم، لا يؤمنون بوجود آلهة أو قوى فوق الطبيعة، تتسبب في ما يقع من أحداث. فعوضًا عن ذلك كانوا يلتمسون للظاهرة الطبيعية تفسيرًا مستمدًا من الطبيعة. وقد نظر هؤلاء الفلاسفة إلى الكون باعتباره مجموعة من الظواهر الموحدة التي يستطيع الإنسان بفكره أن يوجد لها تفسيرًا ما. وقد أعطوا العديد من الأجوبة المختلفة المتضاربة للمسائل الفلسفية الأساسية، غير أن أهمية الفلاسفة السابقين لسقراط لا ترجع إلى صدق أجوبتهم بقدر ما ترجع إلى كونهم اهتموا قبل كل شيء ببحث المسائل، علماً بأنه لم تتوفر لهم آنذاك تقاليد فلسفية يستفيدون منها، بل إن أفكارهم هي التي تحولت إلى تراث ينهل منه الفلاسفة اللاحقون.
      سقراط. لم يترك أي أثر مكتوب رغم أنه كان دائمًا ينهمك في المناقشات الفلسفية، وقد وصلتنا أفكاره ومناهجه عن طريق مجالس الحوار، التي كتبها تلميذه أفلاطون، حيث برز سقراط شخصًا رئيسيًا يشرف على الحوار، ويشرح عملية البحث عن الحقيقة.
      عاش سقراط في أثينا، وعلّم في الشوارع والأسواق والملاعب الرياضية بطريقة السؤال والجواب، كما حاول أن يضع تعريفًا دقيقًا لبعض الأفكار التجريدية مثل المعرفة والفضيلة والعدل والحكمة، كل ذلك عن طريق أسئلة محكمة صارمة متلاحقة، من نوع :ماذا تعني؟ كيف عرفت ذلك؟ إن هذا الإجراء الذي يسمى الطريقة السقراطية مالبث أن أصبح من الطرائق الفلسفية النموذجية التي تُعنى بالمناقشة والحوار. انظر: سقراط.
      أراد سقراط أن يستبدل بالآراء الغامضة أفكارًا واضحة، وكثيرًا ما كان يجادل بعض أعيان أثينا ويفضح ادعاءهم الفارغ للمعرفة والحكمة، مما سبب له العداوة بينهم، فحُكم عليه بالموت بدعوى أنه يشكل خطرًا على الدولة، وبذلك أصبح رمزًا للفيلسوف الذي يواصل باستمرار بحثه عن الحقيقة مهما كان الثمن.
      أفلاطون. كان يعتقد أنه لا يمكن التوصل إلى معرفة حقيقة الأشياء عن طريق الحواس، لأن الأشياء المدركة عن طريقها سريعة الزوال ومتغيرة باستمرار. ويرى أن الإنسان لا يستطيع أن يتوصل إلى المعرفة الأصيلة إلا فيما يخص الأشياء التي لا تتغير، مثل الحقيقة والجمال والخير وغير ذلك من الأمور التي ندركها بالعقل، التي سماها الأفكار أو الأشكال.
      يقول أفلاطون: إن الأفكار وحدها مطابقة للحقيقة، وأن الأشياء الأخرى كلها إنما هي صور منعكسة عن الأفكار. وقد أصبحت وجهة النظر هذه تُعرف باسم المثالية. يرى أفلاطون أن أعظم الأفكار هي فكرة الخير، وأن موضوع الخير هو الأجدر بالبحث، بل هو الهدف الذي تخضع له كل الأشياء الأخرى، ويرى أيضًا أن الحياة المثلى هي التي يُكرسها الإنسان للتأمل في الحقائق الأبدية. على أنه يعتقد أن الإنسان إذا وصل إلى هذا المستوى، ينبغي له أن يعود إلى دنيا الناس، ويستعمل قدراته ومعلوماته في خدمة الإنسانية. كذلك يعتقد أفلاطون أن الروح خالدة، وأن الجسم وحده هالك عند الممات. وقد ساهمت أفكاره في إثراء تصورات الغربيين الفلسفية عن الجسم والروح والحقائق الخالدة، التي تناولها اللاهوت النصراني فيما بعد بمزيد من الشرح.
      أرسطو. يُعتبر أعظم تلامذة أفلاطون، فقد تطرق لجميع المواضيع المعروفة في زمانه، وهو الذي ابتكر فكرة العلم واختلاف العلوم، بحيث ينفرد كل واحد منها بمبادئه، ويتناول المواد الخاصة به.ولذلك فإنه ألّف في مختلف المواضيع كالفيزياء وعلم الفلك وعلم النفس وعلم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء وعلم التشريح. كما أنه بحث في ما سمّاه الفلسفة الأولى التي أصبحت تُعرف فيما بعد باسم الميتافيزيقا.
      يُعد أرسطو أول من أنشأ منظومة فلسفية، حيث قال: إن كل فروع البحث والمعرفة إنما هي أجزاء من منظومة شاملة، وهي مترابطة فيما بينها بجملة من المفاهيم والمبادئ. يعتقد أرسطو أن جميع الأشياء ما وُجدت في الطبيعة إلا لأداء غرض معين. وبمقتضى فلسفته فإن الخصائص الطبيعية للأشياء تابعة للغرض الذي من أجله وجدت، لذلك فجميع الأشياء تسعى إلى إبراز خصائصها بالسعي لتأدية ذلك الغرض.
      يتمثل المنهج الأساسي الذي اعتمده أرسطو في بحوثه في الانطلاق مما نعرفه، أو نعتقد بأننا نعرفه، ثم الانتقال للسؤال: كيف؟ ماذا؟ ولماذا؟ أما في كتابه الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)، فقد شرح فكرة السبب الأول الذي في حد ذاته ليس ناتجًا عن أي سبب آخر، حيث وجد فيه التفسير النهائي للوجود. وقد تبنى اللاهوتيون النصارى فيما بعد هذه الفكرة برهانًا أساسيًا على وجود الله.
      ويقول أرسطو: إن كل إنسان يسعى لما يراه خيرًا وإن السعادة لا تكمن في اللّذة، بل في العمل الصالح، ويعني به السلوك بمقتضى الوسط بين الطرفين؛ أي أن خير الأمور أوسطها، على سبيل المثال فالشجاعة هي الوسط بين الطرفين: الجبن والتهور. لكن الإنسان السعيد حقًا هو ذلك الذي يستعمل عقله في التفكير التأملي
      الرواقية والأبيقورية. هما المدرستان الرئيسيتان في الفلسفة اليونانية؛ حيث برزتا بعد وفاة أرسطو عام 322ق.م. فمن تعاليم المدرستين أن الهدف من المعرفة هو تمكين الإنسان من أن يحيا حياة هانئة راضية.
      مؤسس الرواقية هو زينون الرواقي، القائل إن الإنسان يجب أن يسعى للتحلي بالفضيلة التي هي أعظم الخصال الحميدة. يؤمن الرواقيون بـ الحتمية المحضة، أي الاعتقاد بأن جميع الأشياء محكوم عليها أن تكون على ما هي عليه، لذلك يجدر بمن يتحلى بالحكمة والفضيلة أن يرضى بما لا سبيل إلى تغييره، وأن يبذل ما في وسعه لكي يستفيد منه. وقد انتشرت الرواقية في روما، حيث كان من بين زعمائها رجل الدولة ماركوس توليوس شيشرون والإمبراطور ماركوس أوريليوس، والمعلّم أبيكتيتوس.
      أما الأبيقورية فقد أسسها أبيقور الذي اعتمد في فلسفته على مبدأ اللـّذة أي الفكرة بأن الخير الوحيد في الحياة يتمثل في المتعة. لكنه قال: إن اللذات لا تُعد كلها خيرًا. فاللذات الحسنة هي المصحوبة بالهدوء والاعتدال لأن اللذات المتطرفة قد تفضي إلى الألم. يقول أبيقور: إن أحسن اللذات هي صحة الأبدان وسلامة الأذهان، حيث يتخلص الإنسان فيها من الألم.
      الشكوكية. من المدارس الفلسفية التي أسسها بيرهو الأليسي في الفترة نفسها التي ازدهرت فيها الفلسفات الرواقية والأبيقورية. يقول بيرهو: إن الإنسان لا يستطيع أن يعرف شيئًا؛ لأن حواسنا توقعنا في الخطأ، ولا تعطينا معلومات دقيقة عن حالة الأشياء، لذلك فكل الادعاءات بالمعرفة إنما هي باطلة. وبما أننا عاجزون عن المعرفة فينبغي أن نعامل كل الأشياء باللامبالاة، وأن نمتنع عن إصدار الأحكام.
      الأفلاطونية المحدثة. كانت صياغة جديدة لبعض أفكار أفلاطون في صورتها المعدلة من طرف أفلوطين الذي من المعتقد أنه ولد وعاش بمصر في القرن الثالث الميلادي. لقد حاول أن يرشد الإنسان إلى الوحدانية، وبذلك تكتمل سعادة الإنسان. يعتقد أفلوطين أن روح الإنسان متشوقة للالتقاء بالله، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق التجربة الروحانية، لذلك تعتبر فلسفته جسرًا بين الفلسفة اليونانية والفلسفة النصرانية في عهدها الأول، ويستفاد منها أن الحقائق الكبرى لا تنكشف إلا عن طريق الإيمان بالله والفضل الإلهي، وليس عن طريق العقل.
      فلسفة القرون الوسطى. تطورت الفلسفة الغربية أثناء العصور الوسطى بكيفية جعلتها جزءًا من اللاهوت النصراني، أكثر من كونها فرعا مستقلا من البحث العلمي. وهكذا فلم يبق للفلسفة اليونانية والرومانية من آثار سوى ما تركته من أثر على الفكر الديني.
      كان القديس أوغسطين أشهر الفلاسفة في أوائل العصور الوسطى. ففي كتابه مدينة الله الذي ألّفه في بداية القرن الخامس الميلادي أعطى للتاريخ البشري تفسيرًا من حيث إنه صراع بين النصارى الذين يعيشون في مدينة الله، والوثنيين والمرتدين الذين يعيشون في مدينة الدنيا. يقول أوغسطين: إن أصحاب مدينة الله سوف يكون جزاؤهم الخلاص الأبدي، أما أصحاب مدينة الدنيا فسوف ينالون العذاب المستديم. إن هذا الكتاب قد زعزع الوثنية السائدة في روما، وساعد في انتشار النصرانية خلال ذلك الوقت.
      في فلسفة القرون الوسطى سادت منظومة من الفكر تسمى المدرسية بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر الميلاديين. والمدرسية تُشير إلى منهج فلسفي للاستقصاء، استعمله أساتذة الفلسفة واللاهوت في الجامعات الأولى التي ظهرت في أوروبا الغربية. وكانوا يُسمّون المدرسيين.
      يعتمد المنهج المدرسي على التحليل الدقيق للمفاهيم، مع التمييز البارع بين المدلولات المختلفة لتلك المفاهيم. وقد استعمل المدرسيون المحاكمة الاستنتاجية انطلاقًا من المبادئ التي وضعوها بمنهجهم، بقصد إيجاد الحلول للمشكلات العارضة.
      نشأت المدرسية نتيجة لترجمة أعمال أرسطو إلى اللاتينية التي هي لغة الكنيسة النصرانية في العصر الوسيط. فهذه الأعمال حثت المفكرين آنذاك على التوفيق بين أفكار أرسطو الرئيسية والتوراة والعقيدة النصرانية. إن أشهر المدرسيين هو القديس توما الأكويني. حيث اجتمع في فلسفته فكر أرسطو والفكر اللاهوتي، حتى إنها أصبحت هي الفلسفة الرسمية للكنيسة الرومانية الكاثوليكية.
      قدّم المدرسيون مساهمات قيمة في تطور الفلسفة، منها ما قدّموه من أعمال في مجال فلسفة اللغة. حيث بينوا كيف يمكن لخصائص اللغة أن تؤثر في تصورنا للعالم. كما أنهم ركزوا على أهمية المنطق في البحوث الفلسفية.
      الفلسفة الحديثة. قامت في أوروبا حركة ثقافية كبرى، تسمى النهضة، أعقبت نهاية العصور الوسطى، وشكلت فترة انتقالية بين فلسفة القرون الوسطى والفلسفة الحديثة. نشأت النهضة في إيطاليا من نحو 1300 إلى 1600م، وكانت صحوة جديدة نجمت عن إعادة اكتشاف الثقافة اليونانية والرومانية. تميزت النهضة بما حدث فيها من تقدم كبير في بعض العلوم، كالفلك والفيزياء والرياضيات. كما أن العلماء المعروفين باسم الإنسانيين أكدوا على أهمية الكائنات البشرية ودراسة الأدب القديم، من أجل فهم أسرار الحياة. فهذا التركيز على العلوم والإنسانيات أدى إلى حدوث تغير كبير في أهداف البحوث الفلسفية، وتقنياتها، وهكذا ضعفت المدرسية، وتحررت الفلسفة من روابطها مع الفكر اللاهوتي الموروث من القرون الوسطى.
      كان فرانسيس بيكون الإنجليزي من أوائل الفلاسفة المؤيدين للمنهج العلمي، ومعظم المؤرخين يعتبرون بيكون ورينيه ديكارت الفرنسي مؤسسي الفلسفة العصرية. ومن مؤلفات بيكون الرئيسية: التقدم في التعليم (1605م)؛ المنطق الجديد (1620م)، حيث أوضح أن المعرفة إنما هي قدرة من القدرات التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالطريقة الاستقرائية في البحث. وقد تصور بيكون عالمًا جديدا، تتوافر فيه الثقافة وأوقات الراحة، ويمكن تحقيقه بالبحث في قوانين الحياة ومجرياتها. إنه بوصفه لهذا العالم قد تنبأ بما سوف يكون للتقدم في العلوم والهندسة التقنية من آثار حضارية.
      الفلسفة العقلانية. تتمثل في وجهة نظر فلسفية ظهرت في القرن السابع عشر الميلادي، الفكرة الرئيسية فيها هي أن العقل مُقدم على التجربة كمصدر للمعرفة، وأن الإدراك الحسي ينبغي إقامة البرهان على صحته بالمزيد من المبادئ. لقد حاول العقلانيون أن يحددوا طبيعة العالم والواقع، عن طريق الاستنتاج من مقدمات قد ثبت أنها هي في حد ذاتها يقينية من حيث المبدأ، كما أنهم أكدوا على إجراء العمليات في الرياضيات. وزعماء الفلسفة العقلانية هم: رينيه ديكارت، باروك سبينوزا، وغوتفريت لايبنيز. كان ديكارت عالمًا في الرياضيات وفيلسوفًا في الوقت نفسه. اخترع الهندسة التحليلية، واهتم بوضع أسس متينة للعلوم، مثل الأسس التي وضعها للرياضيات. وهكذا كان مشغولا جدًا بوضع أسس المعرفة. وكان ديكارت من دعاة المذهب الآلي (القائل بأن العمليات الطبيعية قابلة للتفسير بنواميس الفيزياء والكيمياء)؛ أي أنه يعتبر كل الظواهر الفيزيائية مترابطة آليًا بموجب قانونيْ: العلة والأثر. وقد أثارت فلسفته مشكلة العلاقة بين العقل والمادة: كيف تمت بينهما؟
      أما سبينوزا فقد أنشأ منظومة فلسفية على منوال الهندسة إذ حاول أن يستخلص الاستنتاجات الفلسفية من عدد محدود من البديهيات المركزية؛ أي التي تفترض أنها من الحقائق المسلم بها، وكذلك من التعاريف. لم يكن سبينوزا يتصور الإله كائنًا فوق البشر وأنه خلق الكون، بل تمثل الإله في الكون. يُعد سبينوزا أيضا من دعاة الفلسفة الآلية لأنه يرى أن كل شيء في الكون مقدر حتمًا. وكان هدفه الأساسي ذا طابع أخلاقي، حيث أراد أن يشرح كيف يمكن للإنسان أن يكون حرًا عاقلاً راضيًا مرضيًا في هذا العالم الذي تسيِّره الحتمية في زعمه.
      اعتقد لايبنيز أن هذا العالم ما هو إلا أحد العوامل الممكن تصورها. كما حاول أن يبين أن العالم الحالي هو أحسن تلك العوالم، وقصْده من ذلك أن يقول: إن الله أراد بالبشرية خيرًا. وهكذا حاول أن يحل المشكلة التالية: كيف يمكن لله الذي يتصف بالقدرة والكمال، أن يوجد عالمًا مليئًا بأنواع من العذاب والشر؟ كذلك فإن لايبنيز والعالم الإنجليزي إسحاق نيوتن ساهما في تطوير حساب التفاضل والتكامل. كما أن لايبنيز من السابقين لتطوير المنطق الرمزي، أي استعمال الرموز والعمليات الرياضية في إيجاد الحلول لمشكلات المنطق.
      الفلسفة التجريبية. تؤكد الفلسفة التجريبية على أهمية التجربة والإدراك الحسي مصدرًا للمعرفة وأساسًا لها. يُعتبر الإنجليزي جون لوك، الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي أول الفلاسفة التجريبيين الكبار، ثم جاء من بعده الأيرلندي جورج باركلي، والأسكتلندي ديفيد هيوم، حيث توليا تطوير الفلسفة التجريبية في القرن الثامن عشر الميلادي.
      حاول لوك، في كتابه مقالة عن الفهم الإنساني الذي صدر عام (1690م)، أن يحدد منشأ المعرفة البشرية ومداها وصحتها. يقول لوك: إنه لا توجد أفكار فطرية: الأفكار المطبوعة في الإنسان قبل الولادة. ويعتقد أن الإنسان عند ولادته يكون عقله مثل الصفحة البيضاء من الورق. لذلك فالتجربة هي مصدر جميع الأفكار والمعارف.
      تناول باركلي المسألة التالية: إذا كان كلّ ما يعرفه الإنسان مجرد فكرة عن شيء ما، فكيف السبيل إلى التأكد من وجود شيء في العالم يتطابق مع تلك الفكرة؟ وكان جوابه أن الوجود يحدث بحصول إدراكه، فالشيء لا وجود له إلا عندما يدركه عقل الإنسان، أي أن الأشياء المادية إنما هي أفكار مرسومة في العقل، وليس لها وجود مستقل.
      أما هيوم فقد توسع في شرح نظريات لوك وباركلي وانتهى به الأمر إلى نوع من الشك حو ل كل شيء تقريبًا، حيث قال: إن جميع محتويات العقل إنما هي انطباعات وأفكار. وقد تخطر بالبال فكرة يمكن الاهتداء إلى أصلها المتمثل في انطباع سابق.
      يرى هيوم أنه يجدر بالإنسان أن يحدد الانطباع الذي أنتج الفكرة وأعطاها معنى معينًا، فالفكرة التي تخطر بالبال من غير أن نستدل على أصلها لابد أنها عديمة المعنى. كذلك أثار هيوم المسألة التالية: كيف يمكن التأكد من أن المستقبل سوف يكون مثل الماضي؟ أي هل ستمارس قوانين الطبيعة عملها على المنوال السابق نفسه؟ فأجاب بأننا لا نستطيع أن نؤكد أنها جميعا سوف تستمر في السير على المنوال نفسه.
      عصر العقل. تميز عصر النهضة بنشاط فكري كبير خلال القرن السابع عشر الميلادي واستمر إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي. إن هذه الفترة تسمى أيضًا عصر التنوير؛ حيث ركّز الفلاسفة آنذاك على تحكيم العقل بدلاً من الاعتماد على التنزيل عن طريق الكتب المقدسة، يرى هؤلاء أن العقل يوفر الوسائل الكفيلة بالتوصل إلى الحقيقة حول العالم، وبتنظيم المجتمع البشري تنظيماً يحقق الهناء للإنسان. وأبرز هؤلاء الفلاسفة هم: ديكارت، ولوك، وباركلي وهيوم. كما يُعد منهم جان جاك روسو، وفولتير، ودينيس، وديدرو، وغيرهم من الفلاسفة الفرنسيين المعروفين باسم الفلاسفة.
      إن أبرز الأفكار التي تميّز بها عصر العقل هي نظريات لوك. فقد أراد لوك أن يرسم حدود الفهم البشري، ويعرف مدى قدرة الإنسان على تحصيل المعلومات، لعله يهتدي بها في سلوكه، وينتفع منها في حياته. كما حاول أن يبين أن الناس يجب أن يتعاملوا وفق مبادئ التسامح والحرية والحقوق الطبيعية. ففي كتابه مقالتان عن الحكومة الذي صدر (1690م)، وضع الأُسُس الفلسفية التي نهلت منها الثورتان الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
      فلسفة إيمانويل كانط الفيلسوف الألماني الكبير الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي تكاد تكون هي الأساس لكل التطورات الفلسفية التي ظهرت فيما بعد. وتُسمى فلسفة كانط الفلسفة النقدية أو الفلسفة المتعالية، وقد تأثر كانط بفلسفة هيوم الشكوكية، حيث سعى إلى الجمع بين الفلسفتين: العقلانية والتجريبية. ففي كتابه نقد العقل المحض الذي صدر (1781م)، حاول كانط أن يقدم دراسة وصفية نقدية لقدرات العقل البشري وحدوده، لكي يبين ما يمكن وما لا يمكن أن يُعرف. وقد استنتج أن العقل يمكّننا من إدراك الأشياء في ظاهرها فقط، وليس أبدًا في ماهيتها. يعتقد كانط أن العقل يقوم بدور نشط في المعرفة وليس مجرد جهاز لتسجيل الوقائع التي يتلقاها من الحواس، ويؤدي هذه الوظيفة من خلال مقولات أو أشكال أساسية من الفهم، وهي مستقلة عن التجربة وبدونها لن يكون لتجربتنا أي معنى، فمن خلال هذه المقولات والعمليات الذهنية وبالاعتماد على تجاربنا الحسية، نستطيع أن نتوصل إلى المعرفة، أي معرفة الأشياء الخاضعة للتجربة الحسية، دون غيرها.
      انتقد كانط البراهين التقليدية المعتمدة لإثبات وجود الله، متذرعا بأنها كلها باطلة؛ لكونها تناولت مسألة خارجة عن نطاق التجربة، وبالتالي فهي تتجاوز قدرات العقل البشري. ففي كتابه نقد العقل العملي الذي صدر (1788م)، قال: إن العقل العملي؛ أي العقل المطبق في مجال الممارسة، يرشدنا كيف يجب أن نعمل، وكذلك يقدم لنا حجة عقلية عملية للاعتقاد بوجود الله، من غير أن تكون تلك الحجة دليلاً قاطعًا على وجوده.
      الفلسفة في القرن التاسع عشر. أثرت فسلفة كانط في العديد من المنظومات الفكرية التي ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي على يد فريدريك هيجل وكارل ماركس، الألمانيين، حيث شرح هيجل نظريته حول التغير التاريخي التي تُسمى الجدلية الهيجلية، بأن التنازع بين المتناقضات يؤدي إلى نشوء وحدة جديدة ثم إلى نقيضها. وقد حول ماركس نظرية هيجل إلى ما يسمى المادية الجدلية. يعتقد ماركس أن الأشياء المادية وحدها واقعية، وأن كل الأفكار مبنية على أساس اقتصادي، وأن التنازع الجدلي بين الرأسماليين والعمال الصناعيين، سوف يفضي إلى قيام الشيوعية التي سماها الاشتراكية نظامًا اقتصاديًا وسياسيًا.
      أما فريدريك نيتشه، الفيلسوف الألماني فقد كان مُلحدًا ؛ حيث أعلن في كتابه هكذا تكلم زرادشت الذي صدر في 1883-1885م أن الله قد مات، (تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا)، وقصد بذلك أن فكرة الإله فقدت مالها من قوة بوصفها دافعًا وضابطًا لسلوك الناس، وما عليهم إلا أن يبحثوا عن فكرة أخرى، يهتدون بها في حياتهم، وقد تنبأ نيتشه بظهور السوبرمان أو الإنسان الأمثل الذي لا يشكو من ضعف البشر، ولا يحتكم إلى الأخلاق لأن الاحتكام إلى الأخلاق من شيم الضعفاء وليس من شيم الأقوياء. فالسلوك ينبغي أن يكون قائمًا على إرادة القوة؛ أي ميل الإنسان للسيطرة على غيره والتحكم في أهوائه، والسوبرمان سوف يسعى إلى نوع جديد من الكمال والتفوق بماله من قدرة على تحقيق مسعاه للسلطة بأسلوب الأقوياء، لا بأسلوب الضعفاء.
      سيطر مذهب المنفعة في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر الميلادي بزعامة جيرمي بينثام، وجون ستيوارت ميل. قال النفعيون: أكبر قدر من السعادة لأكبر قدر من الناس هو معيار الحق والباطل؛ أي أن المنفعة هي التي تحدد اتجاه الحقيقة، صدقًا كان أم كذبًا. كذلك فكل المؤسسات الاجتماعية وبالأخص المؤسسة التشريعية والحكومة ينبغي تحويلهما إلى جهاز يحقق أكبر قدر من السعادة. يقول ميل في كتابه خضوع النساء الذي صدر (1869م): إن هذا الخضوع القانوني للرجال ينبغي تعويضه بمبدأ المساواة التامة، وقد اعتُبرت هذه الفكرة من الأفكار الثورية في عصر ميل.
      الفلسفة في القرن العشرين. شهدت الفلسفة في القرن العشرين الميلادي انتشار خمس حركات رئيسية، اثنتان منها: الوجودية والظواهرية كان لهما تأثير كبير في بلدان أوروبا الغربية. أما الحركات الثلاث الأخرى: الذرائعية، والوضعية المنطقية، والتحليل الفلسفي فقد مارست تأثيرها خصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
      في منتصف القرن العشرين الميلادي أصبح تأثير الوجودية ملحوظًا؛ وذلك أن الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م) ولّدت شعورًا عامًا باليأس والقطيعة من الوضع القائم. هذا الشعور قد أفضى إلى الاعتقاد بأن الناس عليهم أن ينشئوا القيم التي تليق بهم في عالم أصبحت القيم القديمة فيه عديمة الجدوى؛ كما أن الوجودية تلح على القول: إن الأفراد يجب عليهم أن يجددوا اختياراتهم وبذلك يعبرون عن شخصيتهم المتميزة، لأنه لا توجد أنماط موضوعية تفرض على الفرد فرضًا. ويُعتبر الكاتب الفرنسي جان بول سارتر أشهر الفلاسفة الوجوديين.
      أما الفلسفة الظواهرية فقد أنشأها الفيلسوف الألماني إدموند هوسيرل، الذي تصور أن مهمة الظواهرية ـ وبالتالي مهمة الفلسفة ـ تتمثل في وصف الظاهرة؛ أي موضوعات التجربة الشعورية، وصفها بد قة وبكيفية مستقلة عن كل الافتراضات المشتقة من العلم. ويعتقد هوسيرل أن هذا العمل من شأنه أن يؤدي إلى إدراك الواقع إدراكًا فلسفيًا.
      أما الفلسفة الذرائعية التي يمثلها في القرن العشرين الميلادي الأمريكيان وليم جيمس وجون ديوي، فتؤكد أن المعرفة خاضعة للعمل، وذلك أن اشتمال الأفكار على المعاني والحقائق متعلق بمدى ارتباطها بالتطبيق.
      أما الفلسفة الوضعية المنطقية التي نشأت في فيينا بالنمسا في العشرينيات من القرن العشرين الميلادي فتقول: إن الفلسفة ينبغي أن تحلّل منطق لغة العلم. وهي تعتبر العلم المصدر الوحيد للمعرفة وتدعي بأن ماوراء الطبيعة لافائدة منه، اعتمادًا على مبدأ إمكانية التحقق؛ أي أن القول لا يكون له معنى إلا إذا ثبت بالتجربة الحسية أنه مطابق للحقيقة، ويعد البريطاني السير ألفرد جول آير من أكبر فلاسفة المذهب الوضعي المنطقي.
      حاولت الفلسفة التحليلية عامة أن توجد الحلول للمشكلات الفلسفية عن طريق تحليل مفردات اللغة ومفاهيمها، كما حاولت بعض اتجاهات هذه الفلسفة أن تبرهن على أن بعض المشكلات الفلسفية التقليدية تنحَلُّ تلقائيًا ـ أي أنها تزول ـ بمجرد تحليل العبارات التي صيغت بها. وهناك اتجاهات أخرى منها تستعمل التحليل اللغوي من أجل إلقاء الأضواء على المشكلات الفلسفية التقليدية لكن من غير أن تزيلها. ومن أشهر الفلاسفة الذين مارسوا منهج التحليل الفلسفي، برتراند راسل، ولودفيج فيتجنشتاين، الذي وُلد في النمسا، لكنه درس وتعلم في إنجلترا.






  4. #4
    مجلس الإدارة
    تاريخ التسجيل
    Jul 2012
    المشاركات
    3,496
    تقــديـم :
    تعتبر العلوم التربوية والنفسية فرعا من فروع العلوم الإنسانية التى تبحث فى الإنسان وعلاقته بيئته الخارجية وتضم العلوم التربوية مختلف المعارف الخاصة بظاهرة تنشئة الإنسان .
    وإن التربية لا يمكن أن تتم فى فراغ وبالتالى فهى تعيش فى مجتمع ذلك لأنها أداءة المجتمع فى تشكيل الأفراد الذين لا يمكن لهم أن ينمو فى عزلة فهى عملية اجتماعية وتختلف من مجتمع لآخر حسب طبيعة المجتمع والقوى الثقافية المؤثرة فيه بالإضافة إلى القيم الروحية والفلسفية التى يعيش على أساسها .
    ويمكن القول أن التربية تتأثر بالمجتمع وبتصوره أو بإطار حياته وإن التربية تقوم على مجموعة من المسلمات الفرضيات التى تؤثر عليها وتتأثر بها كما تتسم التربية بأنها عملية إنسانية تختص بالإنسان وحده دون سائر المخلوقات لما ميزه الله بالعقل والذكاء والقدرة على إدارك العلاقات واستخلاص النتائج وتأويليها وأن التربية تقوم على علم حقيقى وإنها تستند إلى عديد من الأصول أجمعت عليها معظم البحوث والدراسات التربوية .
    وإن دراسة أصول التربية توجه العمل فىالتربية كمهنة من أهم المهن وتهدف إلى تكوين نظام فكري يوجه العمل التربوي فى مجالاته التطبيقية والعملية المختلفة . كما أنه يساعد على فهم طبيعة العلاقة بين التربية وغيرها من المجالات الأخرى .
    لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن تحديد هذا ا لمفهوم ربما يكون من أكثر موضوعات الدراسات الفلسفية صعوبة ومثاراً للجدل وهو الأمر الذي قد لا نجده في أي مجال آخر من الدراسات الإنسانية .
    صحيح أن هذه الدراسات في معظمها تعاني هي الأخرى قياساً إلى لدراسة الكونية الطبيعية من الاختلاف في المصطلح، لكنها غالباً تحظى باتفاق المتخصصين في كل منها .
    ولهذا فلو سألنا أحد ما: ما معنى الفلسفة؟ فسوف نبادر على الفور بأن نطرح عليه تساؤلا أولياً : عند من؟
    فتحديد (الاتجاه) أو (الفيلسوف) يجعل الإجابة ميسورة، أما إذا اقتصر على عموم المصطلح فإن الكاتب أو اﻟﻤﺠيب سيضطر إلى أن يسطر صفحات طويلة لشرح وجهات النظر اﻟﻤﺨتلفة، أو أن يقف عند حد المعنى اللغوي للكلمة.

    كلمة فلسفة لا يمـكـن تحديـد معـناهـا بدقـة؛ لأن موضوعها مُعقد جدًا ومثير للجدال. فقد تختلف آراء الفلاسفة حول طبيعتها ومناهجها ومجالها. أما كلمة فلسفة في حد ذاتها فأصلها من الكلمة اليونانية فيلاسوفيا التي تعني حب الحكمة. بناءً على ذلك فالحكمة تتمثل في الاستخدام الإيجابي للذكاء، وليست شيئًا سلبيًا قد يمتلكه الإنسان.
    عاش رواد الفلسفة الغربية المعروفون، في اليونان القديمة في مطلع السنوات الخمسمائة الأولى ق.م. وقد حاول هؤلاء الفلاسفة الأوائل أن يكتشفوا التركيب الأساسي للأشياء، وكذا طبيعة العالم والواقع. وكان الناس في استفسارهم عن مثل هذه المسائل، يعتمدون إلى حد كبير على السحر والخرافات وأصحاب الخبرة. لكن فلاسفة اليونان اعتبروا هذه المصادر من المعرفة غير موثوقة، وعوضًا عن ذلك التمسوا الأجوبة عن تلك المسائل بالتفكير ودراسة الطبيعة.
    للفلسفة أيضا تاريخ طويل في بعض الثقافات غير الغربية، خصوصا في الصين والهند. ويرجع عدم التبادل بين الشرق والغرب إلى صعوبات السفر والاتصال بالدرجة الأولى، مما جعل الفلسفة الغربية تتطور على العموم بصورة مستقلة عن الفلسفة الشرقية.



    معنى الفلسفة:
    يمكن القول بصفة عامة أنه لا يوجد اتفاق حول تعريف الفلسفة أو تحديد مضمونها ومباحثها.
    ولعل من أقدم التعريفات للفلسفة ذلك التعريف الذي يمتد بأصل الكلمة إلى الإغريق في معناها اللغوي "حب الحكمة"، وعلى هذا يكون الفيلسوف هو الحكيم أو محب الحكمة.
    وربما كان هذا التعريف مناسبا عندما كانت الفلسفة تمثل جماع المعرفة آنذاك من طب وفلك ولاهوت وقانون وغيره.. وعلى الرغم من أن تطور العلوم والمعرفة قد أدى في النهاية إلى انفصال هذه العلوم عن الفلسفة واحدا تلو الآخر، فقد بقى تعريفها "حب الحكمة" كما هو

    التعريف المعجمي:
    يورد المعجم الوسيط في تفسير كلمة فلسفة أنها "دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرا عقليا وكانت تشمل العلوم جميعا واقتصرت في هذا العصر على المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة".
    ويورد معجم التربية تعريفا للفلسفة مشابها للتعريف السابق فيقول في تعريف الفلسفة بأنها: "العلم الذي يرمي إلى تنظيم وترتيب كل مجالات المعرفة باعتبارها وسائل لفهم وتفسير الحقيقة في صورتها الكلية. وهذا العلم يشمل عادة المنطق والأخلاق وعلم الجمال وما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ونظرية المعرفة".

    تعريف الفلاسفة:
    تعريف كونت (A. Compte) :
    "ناد الفيلسوف الفرنسي كونت بأن الفلسفة في هذا العالم الجديد للعلم تقتصر فائدتها على توضيح مفاهيم ونظريات العلم، وأن على الفلسفة أن تتخلى عن مجال الميتافيزيقا، لأن القضايا التي يتناولها هذا المجال لا تسمح بالتحليل العلمي أو التجريبي أو البرهنة".

    *تعريف فينيكس(Phenix)
    وهو من فلاسفة التربية الأمريكيين، يقول في كتابه "فلسفة التربية" : "إن الفلسفة ليست مجموعة من المعارف، ولا تؤدي دراستها إلى تجميع عدد من الحقائق، وهي ليست طريقة من طرق النظر إلى المعرفة التي لدينا فعلا، وهي تتضمن تنظيم وتفسير وتوضيح،ونقد ما هو موجود بالفعل في ميدان المعرفة والخبرة، وتستعمل كمادة لها ما تتضمنه العلوم والفنون المختلفة، والدين والأدب ومن معارف، كما أنها تستعمل المفاهيم العامة العادية".(يرى أن هناك أربع مكونات للفلسفة-الشمول، اتساع النظرة، البصيرة،التأملية-.

    *تعريف كونور (O. Connor)
    هو من الفلاسفة البريطانيين المعاصرين في كتابه "مقدمة في فلسفة التربية": "إن الفلسفة ليست نظاما من المعرفة ذات الطابع الإيجابي (أي له مضمون معرفي) كالقانون أو علم الأحياء أو التاريخ والجغرافيا، وإنما هي نشاط نقدي أو توضيحي…".
    كما يختلف الفلاسفة فيما بينهم حول تحديد مفهوم الفلسفة، ومع هذا فإنه يمكننا بصفة عامة أن نميز اتجاهين رئيسيين:

    الاتجاه الأول:
    يرى أن الفلسفة هي أسلوب للتفكير وطريقة للمناقشة في تناول المشكلات وتحليلها ومعالجتها. وهذا يعني أن الفلسفة ليس لها مضمون علمي يقوم على مجموعة الحقائق كما هو الحال في باقي العلوم.

    الاتجاه الثاني:
    يرى أن الفلسفة هي أكثر من كونها طريقة أو أسلوب للتفكير. فهي إلى جانب ذلك لها مباحثها الخاصة وميادينها المعرفية.

    مباحث الفلسفة:
    *الانطولوجيا (Ontology) :
    أي دراسة طبيعة الحقيقة، وتتعلق بالبحث في الوجود والكون والحياة والإنسان، ومن المرادفات الشائعة للانطولوجيا الميتافيزيقا-ما وراء الطبيعة- الإلهيات، الغيبيات.
    *الابستمولوجيا (Epistemology) :
    أو نظرية المعرفة أي تبحث في طبيعة المعرفة، حدودها وأنواعها، وكيف نتحقق من هدف المعرفة، كما تبحث في مصادر المعرفة وأهميتها النسبية.
    *الاكسيولوجيا (Anxiology) :
    تتعلق بالبحث في القيم -طبيعتها، مصادرها، أنواعها- بمشكلات الخير والجمال، وفي القيم الجوهرية الخالدة ككرامة الإنسان، القيم الإجرائية مثل تفضيل منهج معين كالمنهج العلمي …
    الاكسيولوجيا :
    -علم الأخلاق(أخلاقيات الإنسان، الشر، الخير.)
    -علم الجمال، معايير الجمال، والإنسان، والبيئة.

    علاقة الفلسفة بالتربية:
    التربية هي الموضوع أما علوم التربية فتعتبر المنهج أو مجموعة المناهج التي تدرس عن طريقها الموضوع، وهي كسائر ميادين المعرفة والعلوم الإنسانية ذات الصلة الوطيدة بالفلسفة على اختلاف مذاهبها ومدارسها.

    فما هو الفرق بين التربية كموضوع فلسفي وبين علم التربية؟
    قبل القرن 19 كانت كل القضايا المعرفية تطرح على مستوى الفلسفة حيث كانت الفلسفة أم العلوم والمعارف كالفيزياء والطب وغيرها من العلوم، وكانت من اختصاصات الفلاسفة إذ كانوا يعتقدون أن الفلسفة تجمع كل شيء.

    علاقة التربية بالفلسفة:
    يذهب بعض المؤلفين من بينهم جايمس روس في الأسس العامة للنظريات التربوية للقول أن هناك علاقة وطيدة بين التربية والفلسفة إذ يعتبرهما وجهان لعملة واحدة. أما نحن فنفرق بينهما على أننا معه على شدة الارتباط، بحيث إذا حاولنا دراسة التربية عند اليونانيين أو الصينيين، فإننا لا نستطيع دراسة التربية الصينية دون التعرف على فلسفة كونفوشيوس، كذلك لا نستطيع التعرف على إبراز المفكرين أمثال سقراط وأريسطو، ولا نستطيع التعرف على التربية الإسلامية دون التعرض إلى القرآن الكريم والتعرف عليه.

    إن التربية تقوم على رافدين، إما على أساس عقلاني، أو على أساس الوحي والشرع ومن ثم تعتمد على الشرع ومن الأدلة التي جاء بها جايمس روس لتأكيد فكرته، هي أنه:

    1. يرى أن التربية والفلسفة شيء واحد لأن التربية بدون فلسفة لا تكون، إذ أنها تستمد مفاهيمها وموضوعها أو مفهوم موضوعها من الفلسفة، بل تستمد العقيدة التربوية التي تحتويها على مجموعة المفاهيم والقيم التربوية.
    2. كون التربية تختلف في مفاهيمها وقيمها باختلاف المذاهب الفلسفية.
    3. كون التربية والفلسفة كلاهما تعتمد على أيديولوجية واحدة.
    إن العلاقة موجودة بين التربية والفلسفة لكن هذا لا يعني أنهما وجهان لعملة واحدة، إذ أن هناك فروق كثيرة تتمثل في:
    · تنطلق الفلسفة من الشك والنسبية، بينما التربية تنطلق من اليقين وتخرج عن نطاقه.
    · تعالج الفلسفة الإنسان المطلق، بينما التربية تعالج الإنسان كما هو في أي زمان ومكان.
    · يمكن للتربية أن تلتزم بالتربية، كما يمكن أن لا تلتزم بها.
    · يمكن للتربية أن تلتزم بالديانات، وهي ليست فلسفة.

    مجال الفلسفة التربوية:
    أصبحت فلسفة التربية مجال اهتمام حيوي لكثير من الفلاسفة الغربيين المشهورين، فقد قدم أفلاطون وأريسطو، ولوك، وروسو، وكانت، وديوي خدمات عظيمة في هذا المجال، حتى أن ديوي قال: "يمكن وصف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية". فالفلسفة التربوية تعمل على فهم التربية في مجموعها مفسرة إياها بواسطة مفاهيم عامة ونظريات.

    علاقة التربية بعلم النفس:
    إن التربية تتأثر وتؤثر في نتائج العلوم الأخرى، وسوف نقتصر عن علاقة التربية بعلم النفس عامة وبعلم نفس التربوي وعلم نفس النمو خاصة.
    ونبدأ طرح السؤال التالي: ما دخل التربية بالنسبة إلى علم النفس؟
    يمكن القول بأن مجال اللقاء بين التربية وعلم النفس هو الميدان. كما أن علم النفس هو دراسة الخبرة النفسية، وما تطلبه من دوافع مختلفة لكي تتبلور بشكل سلوك ، نزوع، فعادة، فشخصية.
    بينما نجد التربية هي الأخرى تحاول أن تعنى بالإنسان من حيث هو ذو إمكانات فطرية نفسية جسمية وغيرها ليمكن له التكيف الأفضل مع المحيط الطبيعي، الاجتماعي…الخ، لا يستطيع التكيف إلا على أساس المساعدة الموضوعية البيئية التي تقدم له من طرف الآخرين الراشدين لكي يجنبه الأخطاء ويشجعون قدراته العقلية والحركية ويساعدونه على الخبرة التي تتبلور فيها شخصيته، فالتربية تهتم بهذه الأمور، فهي تعد الإنسان لا ليستغل ثمرات الأجداد والآباء وكل الأجيال الإنسانية بل ليساهم هو الآخر في الجهد الإنساني في البناء الحضاري بمعناه الشامل.
    والمربي لا يستطيع أن يعرف حاجات المربي إلا بمعرفته. كما نجد علم النفس يحاول أن يقدم لنا معلومات صحيحة، فما هو مقدار المعلومات التي يقدمها علم النفس؟ كما أن التربية تحتاج إلى كل العلوم الإنسانية مع اختلاف في الطريقة. والتربية تعتمد على الدين بحيث تستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان من الدين، كما أنها تعتمد على الفلسفة وتستمد مفاهيمها ومفاهيم الإنسان منها.
    إن ميدان التربية هو ملتقى الطرق، الذي تصل إليه كل الروابي-روابي المعرفة- لأن التربية كالعامود الفقري، بحيث أننا نلاحظ أن كل ما له علاقة بالثقافة والحضارة له علاقة بالتربية.
    إن الاهتمام بالتربية واكبه تطور هائل في مجال علم النفس التربوي ذلك أن علم النفس التربوي يتناول الاهتمام بالفرد في المواقف التربوية.
    ولقد اهتم علماء النفس التربويين بالمشكلات التربوية مثل الممارسات التربوية، كالتعلم، الدافعية، التوجيه التربوي، التحصيل المدرسي وقياسه وتقويمه.
    كما أن علم النفس التربوي هو فرع من علم النفس يهتم بتطبيق مبادئ علم النفس ونظرياته ومناهج البحث الخاصة به في مجال التربية والتدريس والتعليم والتدريب وما يظهر فيه من مشكلات وظواهر في حاجة إلى دراسة أو علاج أو حلول. ويهدف هذا الفرع من كل هذا إلى رفع كفاية العملية التربوية أو التعليمية وجعلها أكثر عائدا وأقل تكلفة وأفضل نجاحا.

    التربية والانتروبولوجيا (علم الإنسان):
    إن العلاقة بينهما وثيقة من حيث أن التربية تحافظ على هذا الميراث وتنقحه وتعززه وتبسطه وتنقله للأجيال اللاحقة، وتعلم الأجيال أيضا كيفية التكيف مع الثقافة. بالإضافة إلى أن الأنثربولوجيا تهدف إلى دراسة سمات الحياة الاجتماعية ومعرفة طبيعتها ومكوناتها لإعادة بناء تاريخ المجتمعات أو تاريخ الحضارة، مع تحديد معالم التركيب التاريخي والحضاري لثقافة ما ومقارنتها مع المجتمعات والثقافات الأخرى، وهنا تدخل العلاقات التربوية ودورها في مجمل هذه العمليات.
    إن مجمل العلوم الأنثروبولوجية سواء كانت ثقافية أم اجتماعية أم فيزيقية تركز على دراسة الإنسان ككائن اجتماعي أو حضاري، فتدرس أشكال الثقافة وأبنية المجتمعات البشرية، من خلال دراسة هذه المجتمعات الأولية، ومعالجة ما يسمى بأنماط الثقافة البدائية والتربية هي العوامل الأساسية التي يجب أخذها بالاعتبار عند دراسة التطور الثقافي لأي مجتمع من المجتمعات البشرية.
    والتربية ما هي إلا العملية التي تؤمن للفرد القدرة على التلاؤم بين دوافعه الداخلية وظروفه الخارجية النابعة من بيئة ثقافية واجتماعية معينة (هذا ما يدرسه علم الاجتماع التربوي) ، وهذا ما تركز الأنثروبولوجية على دراسة الإنسان من الناحية الثقافية والجسمية، وتهتم بسلوك هذا الإنسان ضمن إطار اجتماعي ثقافي متراكم عبر الصور.



    صلة التربية بالتاريخ:
    التاريخ يسجل الجهود الفكرية للإنسان في محاولاته تفسير الحياة البشرية وفهم صلتها بالوجود، وهو علم ضروري ومهم للعلوم الإنسانية. ووجود البعد التاريخي يساعد العملية التربويةعلى فهم ما ورثه من الماضي وما أعدته للحاضر وكيف تخطط للانطلاق إلى المستقبل، وأيضا يساعد على فهم المشكلات التي مرت على البشرية في مراحل تطورها، والابتعاد عما هو غير صالح لتجنبه والبحث عما هو مفيد، وكذلك الإطلاع على المفاهيم التربوية التي اتبعها الإنسان قديما وكيف تطورت. إن التربية في علاقتها مع التاريخ تكوّن ما يسمى بتاريخ التربية الذي يدرس حركة المجتمعات البشرية وتفاعلاتها وتأثيرها على التربية.

    التربية والبيولوجيا:
    تعتبر البيولوجيا ذلك العلم الذي يبحث في دراسة الكائنات الحية من الناحية العضوية وتلاؤمها مع الوسط الذي تعيش فيه، والتربية تبحث في معرفة قوانين الحياة العامة والنمو والتكيف وهي وثيقة الاتصال مع ما يدرسه علم الأحياء (البيولوجيا)، وهذا أدى إلى وجود اتجاه بيولوجي في التربية، وخاصة في التركيز على مفهوم التكيف المرن والمبني على وجود دافع داخلي يسعى إلى تلاؤم الكائن الحي مع مطالب البيئة المحيطة به من مختلف أوجهها والتي هي جوهر الحياة نفسها.

    التربية وعلم الاجتماع:
    العلاقة بينهما وثيقة، ومما يدل على أهميتها وضرورتها وجود ما يسمى "علم الاجتماع التربوي" الذي نشأ وتطور في القرن العشرين، وهو العلم الذي يجمع ما بين علم الاجتماع وعلم التربية، ويعتبر أحد فروع علم الاجتماع العامة والكثيرة، ويهدف للكشف عن العلاقات ما بين العمليات الاجتماعية والعمليات التربوية. ويستخدم علم الاجتماع باعتباره علم المجتمع وعلم دراسة الظواهر الاجتماعية وتفاعلاتها المختلفة لمساعدة التربية في تأدية مهامها ووظائفها. وجميع الأسس الاجتماعية هي أسس مهمة في العملية التربوية ذلك أن التربية لا توجد في فراغ، وإنما في مجتمع له أسسه وعلاقاته الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية، كما أن المجتمع محتاج إلى التربية، وخاصة أن التربية تهدف في جملة ما تهدف إليه إلى تكيف الإنسان مع مجتمعه بما فيه من أنماط ثقافية وعادات مختلفة، وذلك باستفادتها من النتائج التي توصل إليها علم الاجتماع وتسعى إلى تطبيقها في الميدان.




    الأصول الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للتربية
    * مـقـدمـة : -
    ظهرت التربية مع ظهور الإنسان علي وجه الأرض وشعوره بكيانه باعتباره فردا في جماعة من الجماعات كالأسرة أو القبيلة وبدأت في وسط ملئ بالكائنات الحية المختلفة وكان لابد له من الدخول في تنافس مع مختلف هذه الكائنات من أجل أن يحافظ علي بقاء حياته واستمرارها مستغلا قواه الجسدية للتغلب علي كل ما يواجهه من مشكلات وقد أدرك أنه متميز عن باقي المخلوقات الحية وأنه متفوق عليها وأن عليه أن يستغل هذا التميز والتفوق بعقله لتحسين ظروف حياته وكان أول شيء سخر له عقله وأفكاره هو القدرة علي ملاحظة الظواهر الطبيعية المحيطة به للعمل علي الإفادة منها في حياته وبذلك بدأت تتكون لديه المعارف والمعلومات والخبرات المختلفة التي أخذت توفر له مع مرور الزمن كيفيات جديدة ومن هذا المنطلق يمكن القول أن تفاعل الإنسان كان مستمرا مع بيئته التي أصبحت مدرسته الأولى إذ كان ينهل منها المعرفة ويتعلم مهامه ويمارسها وهذا التفاعل المستمر بينه وبين بيئته هو ما نسميه " التربية التي هي الحياة نفسها " ولذا تتسم التربية بأنها عملية إنسانية تختص بالإنسان وحده دون سائر المخلوقات لما ميزه الله بالعقل والذكاء والقدرة علي إدراك العلاقات واستخلاص النتائج وتأويلها فالفرد يمكنه أن يتعلم وينقل ويضيف ويحذف ويغير ويصحح فيما يتعلمه .
    وإن التربية عملية اجتماعية تختلف من مجتمع لأخر وذلك حسب طبيعة المجتمع والقوى الثقافية المؤثرة فيه بالإضافة إلي القيم الروحية كما أنها تعني التنمية ولهذا تجد أن التربية لا تمارس في فراغ بل تطبق علي حقائق في مجتمع معين حيث تبدأ مع بداية حياة الإنسان في هذا المجتمع ومن ثم فإن أي تربية تعبر عن وجهه اجتماعية لأنها تعني اختيار أنماط معينة في الأنظمة الاجتماعية والخلق والخبرة ومعنى هذا أن محور الدراسة في التربية هو المجتمع فمنه نشتق أهدافه وحول ظروف الحياة فيه تدور مناهجها ولهذا نجد أن المجتمع هو الذي يحتوي التربية في داخله . ويمكن القول أن التربية تستند إلي أصول مستمدة من العلوم التي تفيد في فهم جوانبها المختلفة مثل علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ وعلم السياسة وعلم الاقتصاد والفلسفة وعلم الحياة فالتربية لها أصولها الاجتماعية والثقافية المستمدة من علم الاجتماع وعلم الانثروبولوجيا وهي الأصول التي حولت التربية من عملية فردية إلي عملية اجتماعية ثقافية ذلك أن المدخل إلي فهم التربية ينبغي أن يقوم علي الدراسة العضوية بين الفرد وبيئته التي تعني غيره من الأفراد وما يعيشون فيه من أنظمة وعلاقات وقيم وتقاليد ومفاهيم فالتربية لا يمكن تصورها في فراغ إذ تستمد مقوماتها من المجتمع الذي تعمل فيه كما أنها تهدف إلي تحويل الفرد من مواطن بالقوة بحكم مولده في المجتمع إلي مواطن بالفعل يفهم دوره الاجتماعي ومسئولياته وسط الجماعة التي ينتمي إليها وهي تحدث بطريقة مباشرة فهي تحدث في المدرسة وفي المنزل وفي غيرهم من المنظمات والمؤسسات وهذه( التربية ) وسيلة لاستمرار الثقافة مهما كان الطابع العام لهذه الثقافة ودرجة تطورها حيث أن الثقافة لا تولد مع الأفراد ولا تنتقل إليهم بيولوجيا كما هو الحال بالنسبة للون الشعر أو البشرة وإنما يكتسبونها بالتعلم والتدريب والممارسة في دوائر الحياة الاجتماعية التي يعيشون منذ مولدهم .
    ما دامت أصول التربية تعني جذور النظريات التربوية التي تصدر عنها ومنابعها التي تنبثق منها وما دامت هذه الجذور متعددة ومتنوعة بتعدد صلات التربية لكثير من النظم الاجتماعية وبتعدد العلوم التي تعتمد عليها كان ولابد وأن تتعدد هذه الأصول وتتنوع وتختلف ذلك لأن هذه المنابع أو الجذور يمكن إرجاعها إلي أفكار فلسفية أو أوضاع اقتصادية أو اجتماعية أو أحداث تاريخية أو تغيرات ثقافية ومن ثم يمكن الحديث عن أصول فلسفية للتربية وأصول اقتصادية وأصول اجتماعية وأصول تاريخية وثقافية وإدارية وسياسية ونفسية وغيرها كما وأنها تختلف في محتواها ومضمونها باختلاف المجتمعات وباختلاف الحقب والعصور الزمنية فهي متغيرة ومتطورة بتغير الزمان والمكان .
    * مفهوم أصول التربية : -
    تعتبر العلوم التربوية والنفسية فرعا من فروع العلوم الإنسانية التي تبحث في الإنسان وعلاقاته ببيئته الخارجية وتضم العلوم التربوية مختلف المعارف الخاصة بظاهرة تنشئة الإنسان كما تبحث العلوم النفسية الإنسان من ناحية خصائصه النفسية والعقلية وقد تبحث لزيادة المعرفة بالإنسان الظواهر النفسية مختلف الكائنات الحية وتقسم العلوم التربوية إلي أقسام وفروع مختلفة كل فرع منها يبحث جانبا من جوانب الظاهرة الخاصة بالنمو الإنساني وأهم هذه الفروع هو فرع الأصول أعني أصول التربية وتأتي هذه الأهمية من أنه وفلسفة التربية هما حركة الوصل بين التربية كنظام وبين ثقافة المجتمع وفلسفته ثم تأتي بقية الفروع بعدها وإن كان نفس القدر من الأهمية ينصب علي التربية مقارنة وتاريخ التربية لأنهم هما الميدانان اللذان يعكسان التطبيقات التربوية في الأنظمة التعليمية سواء كانت معاصرة أو ماضية ثم تأتي بقية المواد التربوية التي تطبق ما تتوصل إليه أصول التربية .
    وبذلك تعرف أصول التربية بأنها " ذلك العلم الذي يهتم بدراسة الأصول أو الأسس التي يبني عليها تطبيق تربوي سليم ثم أنها الدراسة التي تهدف إلى تزويد الطالب أو الدارس بمجموعة النظريات والحقائق والقوانين التي توجه العمل التربوي التطبيقي ومصادر هذه النظريات والقوانين قد تكون الفلسفات المختلفة أو الأديان أو القيم الاجتماعية أو نتائج التجريب في علم النفس والاجتماع وغيرها من فروع المعرفة المختلفة .
    - كما تعرف أيضا أصول التربية علي أنها القواعد والأسس والمبادئ والنظريات والمسلمات والافتراضات والحقائق التي يقوم عليها أي نظام تربوي أو هي الجذور والمنابع التي تنبثق منها الأفكار والنظريات والممارسات التربوية .
    كما أن أصول التربية تعني بالقواعد والأسس التي تحكم عمل المؤسسات التربوية المختلفة وما تقدمه من خبرات تربوية من إقامة منهج تربوي مناسب أو تنظيم للسلم التعليم أو اقتراح إدارة تربوية سليمة أو تخطيط تربوي ناجح أو طريقة تدريسية ذات كفاءة عالية أو وضع نظام جديد للتقويم .
    أهمية دراسة أصول التربية :-
    إن قوة التعليم التى هي قوة المجتمع وقوة مستقبلة لا تأتي من تلقاء نفسها ولا تفرض عليه بقوانين خارجة عن طبيعته الاجتماعية وعن ظروف الزمان والمكان التي يعيش فيها هذا التعليم وإنما هي في فهم الأصول التي يقوم عليها والتي بها يستطيع أن يكون قوة بالفعل في عمليات التغير والأصول في التربية هي العمق الذي يكسبها صفتها كمهنة ووظيفتها كقوة اجتماعية والدراسة في الأصول هي دراسة المسلمات والفرضيات والتطورات التي تؤثر علي الممارسات التعليمية وعلي عمل المؤسسات التربوية أنها تهدف إلي الكشف عن هذه المسلمات والفرضيات والتطورات من التطور الفلسفي الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي من أجل الوصول إلي نظام فكري متسق يوجه العمل التربوي في مجال التطبيق وبالنسبة لأصول التربية فإنه ذلك الفرع الذي يعني بدراسة الأصول المختلفة التي تقوم عليها المبادئ التربوية وذلك مثل الأصول الاجتماعية والأصول الفلسفية والأصول الثقافية : الخ
    وإن دراسة أصول التربية لا تهتم بالبحث وراء الأهداف والغايات النهائية للتربية أو طبيعة هذه الأهداف أو بنواحي الفهم والتفسير والتحليل الخاص بها وحسب وإنما تعني في الأساس وقبل كل شيء بالنتائج التي تبث صحتها في مجال التطبيق التربوي أو التي لها آثار ايجابية علي التطبيق التربوي أو التي يعتقد أنها كذلك .
    وأن دراسة أصول التربية هي دراسة نظرية للأسس المختلفة التي يقوم عليها التطبيق في مجال التربية والهدف من دراستها هو فهم طبيعة العملية التربوية ودراسة مختلف جوانبها وأبعادها وما يمكن أن تؤدي إليه هذه الدراسة من تطويرها وتحسينها وترجع أهمية تدريسها للمعلمين التي تزودهم بتوجيهات لها فائدة عملية وإمدادهم بمجموعة من الأفكار والنظريات التي يمكن تطبيقها في مواقف تربوية مختلفة داخل الفصل الدراسي أو خارجه . إن دراسة المربي بصفة عامة والمعلم بصفة خاصة لأصول التربية أي دراسته للأسس التي تحكم عمله النظري والتطبيقي يجعل نشاطه ذا معنى وذا غاية واضحة ويقيمه علي أسس امتحنت نتيجة التجربة أو التطبيق أو التحليل الفلسفي أو الحاجات العقلية ولكل هذا يمكن القول أن الأصول في التربية هي العمق الذي يكسبها صفتها كمهنة ووظيفتها كقوة اجتماعية ودراسة في الأصول هي دراسة المسلمات والفرضيات والتطورات التي تؤثر علي الممارسات التعليمية وعلي عمل المؤسسات التعليمية إنها تهدف إلي الكشف عن هذه المسلمات والفرضيات من المنظور الفلسفي والاجتماعي والتي يمكن من خلالها إحداث عمليات التحول الاجتماعي ما دام أن أحدا لا ينكر امتداد خدمات التعليم والتربية إلي سائر الناس ولا ينكر أحد الدور البارز الذي يمكن أن تسهم به التربية إسهاما فعليا في إيقاظ الناس والاشتراك الفعلي في إدارة شئون مجتمعاتهم وفي توجيه مصير العالم المعاصر كما أن دراسة أصول التربية توجه العمل في التربية كمهنة من أهم المهن ومن أشقاها فما هي أصول التربية ؟ ومن أين تأتي ؟ وما هي مجالاتها ؟
    وإن الحديث عن التربية من حيث أسسها المختلفة يعتبر محل اهتمام المشتغلين بالتربية علي اختلاف تخصصاته واهتماماتهم غير أن الحديث عن أصول التربية لن يكون بعيدا عن أصولها الثقافية أو الاجتماعية أو النفسية أو الاقتصادية أو التاريخية فكل هذه الأصول تجمعها وحدة واحدة هي البناء الاجتماعي المتكامل داخل المجتمع الواحد أي أن التربية تستند إلي العديد من الأصول وتجمع دراسات تربوية علي أن أصول التربية تتلخص فيما يلي :-
    الأصول الثقافية والاجتماعية للتربية والأصول الاقتصادية والأصول التاريخية والأصول السياسية والأصول الإدارية والأصول الفلسفية والأصول النفسية والأصول الفسيولوجية والبيولوجية .
    أولا : الأصول الاجتماعية والثقافية للتربية : -
    إن الأصول الاجتماعية والثقافية للتربية هى فرع من فروع أصول التربية تمخض عن التفاعل الحتمي بين التربية وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا يدور العلم الأول حول المجتمع بنظمه ومؤسساته ومقوماته ويدور العلم الثاني منها حول الإنسان بخصائصه وطرق معيشته ويهتم بدراسة الثقافات المختلفة بجوانبها المتعددة وأثرها في نمو تطو الإنسان وهو ما يسمى بالانثروبلوجيا الثقافية كما يهتم بدراسة تطور الإنسان وتكيفه مع بيئته الطبيعية ويسمى بالانثروبلوجيا الطبيعية ويحاول هذا العلم أي الأصول الاجتماعية والثقافية للتربية التوفيق بين خصائص الأفراد وصفاتهم وقدراتهم وميولهم وحاجاتهم وبين المجتمع بما له من مقومات ونظم ومؤسسات وظروف جغرافية وسياسية واقتصادية وعلي التربية أن تعمل في إطار ثنائي يضم الفرد والمجتمع معا يراعي ظروفها وحاجاتها ويحقق رغباتها ويلبي مطالبهم في الوقت نفسه ومن أبرز المداخل في الدراسة العلمية الاجتماعية للتربية مدخل يدرس النظام التعليمي من داخله وبجميع عناصره وجوانبه والعلاقات المتشابكة والمتداخلة بين هذه العناصر وبينها وبين النظام التعليمي الذي يشملها معا ومدخل يدرس النظام التعليمي في علاقاته بالأنظمة الأخرى فالنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإداري وغيرها في علاقاتها بالنظام العام وهو المجتمع الذي يضمها كما يدرس العمليات المختلفة التي يعيش فيها الفرد خارج النظام التعليمي
    تستمد الأصول الاجتماعية الثقافية علم الاجتماع وعلم الانثروبولوجيا وهي الأصول التي حولت التربية من عملية فردية إلي عملية اجتماعية ثقافية وذلك أن المدخل إلي فهم التربية ينبغي ألا يكون من زاوية الفرد وحده أو من زاوية المجتمع مجردا عن حياة الأفراد بل انه مدخل متكامل يقوم علي الدراسة العضوية بين الفرد وبيئته التي تعني غيره من الأفراد وما يعيشون فيه من أنظمة وعلاقات وقيم ومفاهيم وتقاليد فالتربية لا يمكن تصورها في فراغ إذ تستمد مقوماتها من المجتمع الذي تعمل فيه كما أنها تهدف إلي تحويل الفرد من مواطن بالقوة يحكم مولده في المجتمع إلي مواطن بالفعل يفهم دوره الاجتماعي ومسئولياته وسط الجماعة التي ينتمي إليها وهي كذلك السبيل إلي استمرار الثقافة مهما كان الطابع العام لهذه الثقافة ودرجة تطورها ومهما كانت الصورة التي تأخذها العملية التربوية فهي تحدث في المدرسة وفي المنزل وفي غيرهما من المنظمات والمؤسسات وهي تحدث بطريقة مباشرة فالثقافة لا تولد مع الأفراد ولا تنتقل إليهم بيولوجيا كما هو الحال بالنسبة للون الشعر أو البشرة وإنما يكتسبونها بالتعلم والتدريب والممارسة في دوائر الحياة الاجتماعية التي يعيشون فيها منذ مولدهم
    أ-الأصول الاجتماعية للتربية : -
    التربية نظام اجتماعي لها جميع خصائص النظم الاجتماعية وتتكون بنيتها من نفس العناصر التي تتكون منها النظم الاجتماعية ولذلك فإن دراسات علم الاجتماع التي جريها علم النظم الاجتماعية تستفيد منها التربية بشكل مباشر وهذه علاقة واضحة ومباشرة بين التربية وعلم الاجتماع كما تستمد عملية التربية أسسها ومناهجها وأهدافها من المجتمع ومن ثقافته لان عمليات التنشئة الاجتماعية التي تتولاها التربية إنما تحقق عضوية الجيل الجديد في المجتمع عن طريق تعليمه لغة الجماعة وفكرها وتقاليدها وعاداتها وعرفها وقيمها ومهاراتها فالثقافة هي الوعاء الذي تستمد منه التربية أصولها ومناهجها وأهدافها المختلفة .
    ويمكن فهم الأصول الاجتماعية للتربية من خلال الأوضاع الاجتماعية والأنماط السيكولوجية السائدة في التربية المجتمعية غير أن هناك ثمة جدل سبق الإشارة إليه وهذا الجدل قائم بين علماء التربية بشأن الوظيفة الاجتماعية للتربية ومؤدي هذا الجدل اتجاهان :
    1- الإتجاه الأول : وهذا الاتجاه يقرر بان التربية عليها أن تساير الأوضاع المجتمعية كما هي أي أن وظيفتها تنحصر في المحافظة علي الأوضاع القائمة والتربية بهذا المعنى يطلق عليها تربية محافظة .
    2- الإتجاه الثاني : وهذا الاتجاه يتعدى في هذه المحاولة إلي محاولة أخرى ترى بان التربية هي أداة أساسية لخلق أوضاع اجتماعية جديدة تفضل الأوضاع القائمة وتتميز عليها وإنها الوسيلة الكبرى لإحداث تغيرات أساسية في الأبنية الاجتماعية بهدف الوصول إلي أفضل النظم والأوضاع الاجتماعية التي تحقق أهداف أفضل للفرد والجماعة .
    والتربية بحسب هذا الرأي الأخير هي التي تقرر الصيغة الاجتماعية الأكثر صلاحية للمجتمع ومن ثم فهي خلاقة ايجابية وليست سلبية تقف أهميتها عند مجرد المحافظة علي ما هو موجود فقط . أنه قد ظهر اتجاه ثالث حاول التوفيق بين الاتجاهين المتعارضين السابقين وهذا الاتجاه ينظر إلي التربية التربية نظرة شمولية .

    ب- الأصول الثقافية للتربية:
    تعني الأسس الثقافية بالنسبة للتربية تلك الحالة المتبادلة بين أوضاع الثقافية والأوضاع التربوية في المجتمع أي أن التأثير المتبادل بين الأوضاع التربوية والأوضاع الثقافية داخل البناء الاجتماعي ونظرا للأهمية النسبية التي تتمتع بها الأوضاع الثقافية في المجتمع بالنسبة للتربية والفكر التربة بصفة عمة فسوف نتناول الأوضاع الثقافية بشيء من التفصيل .
    وإنما كانت الثقافات تختلف باختلاف المجتمعات وباختلاف العصور كان لكل مجتمع نوع معين من التربية تختلف بدورها باختلاف هذه المجتمعات وباختلاف تك العصور . وهذه الثقافة يعكف علي دراستها علماء دراسة الثقافة اللذين يتبعونها عند المجتمعات المختلفة وخاصة المجتمعات البدائية وهم ما يعرفون باسم الانثروبولوجيين أي الذين يدرسون ثقافة الإنسان وتطوراتها كما يعكف علي دراستها علماء الاجتماع فيدرسون النظم وتجسيدات الثقافة فيها وقد أمدت هذه الدراسات التربويين بمجموعة من الحقائق والمفاهيم الاجتماعية والثقافية فتحولت النظرة إلي التربية من عملية فردية إلي عملية اجتماعية ثقافية حيث أنها تستمد مقوماتها من المجتمع ومادتها من ثقافته لكي تهيئ للناشئين فرص النمو من خلال عناصرها حتى تتجلى أمامهم وتتضح خصائص الأدوار الاجتماعية التي سيقومون بها في المجتمع .
    وهذه الأصول الثقافية والاجتماعية هي التي جعلت كثيرا من الأفكار والمفاهيم الفردية تتوارى من المجال التربوي لتصبح العملية التربوية عملية اجتماعية تماما فتتحول النظرة إلي المعرفة التي يحصلها الناشئين إلي معرفة اجتماعية يصلون إليها من خلال الخبرات التي يتفاعلون معها ثم توظف هذه المعرفة في خدمة الحياة الاجتماعية لهؤلاء الناشئين وهذا يفرض علي المربين أن يدرسوا ثقافة مجتمعهم حتى يدركوا ذلك الارتباط العضوي بين ما يعلمونه للناشئين وبين ثقافة مجتمعهم وان يدرس المربون حركة التغير الاجتماعي ومساراته في المجتمع والمطالب المختلفة لنظمه الاجتماعية سواء من القوى البشرية أو التنظيمات الإدارية والقانونية أو من المستوى التكنولوجي اللازم لها حتى تستجيب لهذه المطالب .
    ثانيا : الأصول التاريخية للتربية :
    للتربية أصولها التاريخية فهي تعتبر محصلة عوامل ومؤثرات مختلفة فالنظام التعليمي بما
    يتضمنه من عمليات وتنظيمات وما يواجهه من مشكلات وقضايا يتأثر بطبيعة المرحلة التي يعيشها فالدراسة التاريخية للمجتمع والتربية تعين علي فهم تطور التعليم ومواجهة مشكلاته بصورة أكثر وضوحا علي أساس التعرف علي أهم القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تشكل المجتمع وأثرها علي خلق ما يواجهه التعليم من مشكلات ومما يجعل للدراسات التاريخية التربوية أهمية كأصل من أصول التربية هو أهمية تتبع العلاقة الجدلية بين الفكر التربوي وبين العوامل والقوى الاجتماعية السائدة في فترة من فترات هذه الدراسة التاريخية بما يحويه هذا الفكر من أهداف التربية ومن رأى في الطبيعة البشرية ومن انعكاس هذا الرأي في طبيعة العملية التربوية منهجا وطريقة وما إلي ذلك مما يجعلنا نفيد من هذه الدراسة في فهم العلاقة الجدلية بين الواقع الاجتماعي لمجتمعنا المعاصر وبين التربية فيه كما يفيدنا أيضا في الوقوف علي تلك العناصر الفكرية والنماذج التطبيقية التي لم تعد ملائمة لعصرنا حتى نحرر التربية منها وندرس كيفية إحلال عناصر فكرية تربوية أخرى محلها.


    وهناك أساليب ومداخل لدراسة تاريخ التربية منها :.
    · دراسة حياة وأراء أعلام ومفكري وفلاسفة التربية .
    · دراسة إحدى قضايا التربية السياسية من القديم إلي الحديث وتتبع تطورها .
    · دراسة فترة زمنية معينة بما تشمله من أحداث وأفكار ومشكلات تربوية .
    التعليم جزء من كل اجتماعي عام هو المجتمع والمجتمع إذ يمر بفتراته التاريخية ويواجه مشكلاته الحياتية فإنما يحاول أن يصل بالقطع إلي حلول أو لبعض حلول لمشكلاته .. وهذه الفترات التاريخية بمشكلاتها تعشها كل النظم الاجتماعية في المجتمع مؤثرة ومتأثرة في / وببعضها والتربية كنظام اجتماعي تعتبر إحدى محصلات هذه الفترات وتلك المشكلات وحلولها ودراسة تاريخ المجتمعات وبالتالي دراسة تاريخ التربية تفيد في فهم مشكلاتها وجذورها وكيفية مراجعتها في الماضي كيفية الاستفادة بهذه الحلول في مواجهة مشكلاتها الحاضرة .
    إن دراسة تاريخ التربية هامة بالنسبة للتربية المعاصرة حيث أنها تظهر حركة المجتمع وتفاعلاته وتأثيرها علي التربية وهذا يفسر لنا كثيرا مما تحتويه التربية سواء في العصر محل الدراسة أو في المجتمع المعاصر تفسر لنا الأهداف والمناهج والمشكلات وكيفية حلها فكثير من مشكلاتنا المعاصرة لا يمكن فهمها إلا علي ضوء دراسة العوامل والقوى الاقتصادية والاجتماعية التي تشملها وتؤثر فيها وتتأثر بها في الحاضر والماضي .
    ومن هنا فإن توجيه التعليم والتعمق في مفاهيمه ومشكلاته يستند إلي ما يسمى بالأسس التاريخية حيث أن التعليم يعتبر جانبا متكاملا من الثقافة التي ينتمي إليها ينفعل بما فيها من قوى وبما انفعلت به من عوامل ومؤثرات وقد يكون الخطر في التعليم ، النظر إليه في أي مرحلة من مراحل التطور علي أنه وحدة مستقلة في الوقت الذي تتأثر فيه أوضاعه بأصول ممتدة من الماضي ودراسة التاريخ بهذا المنظور ، تعني مسئولية جديدة وهي دراسة جذور مشكلات التعليم واتجاهاته ووسائل مواجهتها في الماضي ومدى ملائمة هذه الوسائل لطبيعة المرحل التي يواجه فيها التعليم مسئولياته .
    ومعنى ذلك فالأسس التاريخية تلعب دورا مهما في توجيه التعليم والتعمق في مفاهيمه ومشكلاته حيث أن هذه الأسس تتيح لنا دراسة جذور مشكلات التعليم واتجاهاته ووسائل مواجهتها في الماضي ومدى ملائمة هذه الوسائل لطبيعة المرحلة التى تواجه فيها التعليم مسئولياته ،بمعنى يجب العودة إلى الماضى ولابد من فحصه تحقيقاً لمستقبل أفضل حركة القوى الإجتماعية والاقتصادية وما بينهما من تناقض أو التقاء .
    وبالنسبة للأصول التاريخية فإنه لا يمكن فهم الأوضاع التربوية المختلفة بدون الرجوع إلى المصادر التاريخية المختلفة بالنسبة لهذه الأوضاع ، والحقيقة أن النظريات التربوية فى جوهرها بناء من التاريخ مساهم فيه الأجيال المعاقبة واجتهد كل جيل فى محاولة لأن يصل إلى أفضل صياغة ممكنة لهذه النظرية وذلك على طول تعاقب التاريخ بحيث تؤدى هذه المحاولة فى النهاية إلى أكبر حد من الاستفادة الممكنة
    ومن ثم فإن لدراسة الجدوى التاريخية التربوية أهمية كبيرة وفوائد كثيرة فهى تمدنا بالحركة الدبالكتيكية للفكر والتطورات التي أصابت هذا الفكر وما كان يعوزه من أوجه النقص التي تحاول أن تستكمل ذاتها عبر التاريخ وما يمكن أن تستفيد ه من أوجه النقص هذه
    والفكر التربوي حيث يحاول الاستفادة من التطورات الفكرية خلال التاريخ فإنه يكون شأنها فى هذا سائر النظريات الفكرية الأخرى التي تعالج شتى الموضوعات الطبيعية والإنسانية فلا يمكن فهم النظرية أي نظرية بمعزل عن الإطار التاريخي لهذه النظرية
    إن التقدم الذي يحدث الآن بالنسبة للفكر التربوي والذي ينتظر أن يحدث فى المستقبل بالنسبة له يعتمد بالدرجة الأولى على التقدم الذي حدث ويحدث خلال التاريخ فى اكتشاف القوانين الخاصة بالعلوم الإجتماعية .


    ثالثا: الأصول الفلسفية للتربية :
    بداية يمكن القول أن ثمة خلط بين مفهومي فلسفة التربية والأسس والأصول الفلسفية للتربية ، هذا بالرغم من كونهما مجالين مختلفين متمايزين ، فالأول يعنى الدراسة الفلسفية لقضايا ومشكلات التربية ، يعبر عن ذلك النشاط الفكري المنظم الذي يتخذ من الأسلوب الفلسفي وسيلة لنظرة الكلية للعملية التربوية بقصد تنظيمها وتوجيهها وتوضيحها والتنسيق بين عناصرها وبالتالي فإن فلسفة التربية تضم أصول التربية المقارنة والمناهج وطرق التدريس والتخطيط التربوي والإدارة التربوية وغيرها ومن ثم تعد أصول التربية فرع من فروع فلسفة التربية وتعد الأصول الفلسفية للتربية فرع من فروع أصول التربية .
    أما الأصول الفلسفية للتربية فإنها تبحث فى العلاقة التي تربط الفلسفة بالتربية ، وفى الفلسفة السائدة فى المجتمع التي توجه العمل التربوي وتحدد أهدافه ومحتوى مناهجه والطرق والأساليب والإجراءات التي تحقق هذه الأهداف من خلال تلك المناهج ، إنها تبحث فى الفروض والمسلمات والنظريات التي يعتمد عليها الفلاسفة فى تفسير الكون وظواهره والإنسان وطبيعته والنظرات والاجتماعية والفلسفية التي تسعى إلى تفسير وتحلل ما هو كائن بالنسبة للفرد والمجتمع ورسم صورة لما ينبغي أن يكون
    تهدف الأسس الفلسفية للتربية إلى دراسة بعض النظريات والأفكار والمبادئ الفلسفية التي لها ثمة صلة بالأبنية التربوية سواء النظري منها أو التطبيقي و إن كانت تعنى بصفة خاصة بالأجزاء النظرية بغية الوصول إلى أفضل صيغة ممكنة لتحقيق الأهداف والمثل المجتمعية فى البناء التربوي .
    وللتربية صلة واضحة بتاريخ الفلسفة فإن هذا التاريخ يسجل الجهود العقلية للإنسان فى محاولاته تفسر الحياة الإنسانية وفهم صلتها بالوجود .
    ويتضج تأثير الفكر الإنساني الذي تمثله الفلسفة على التربية من خلال معرفة نمط التربية التي سادت فى كل مجتمع وعصر ، ومن المقارنة بين التربية التقليدية والتربة الحديثة ، فكل نمط من هذه الأنماط التربوية كان خلفه فلسفة خاصة استمد منها أسسه وقواعده ومبادئه .
    رابعاً : الأصول النفسية للتربية :-
    وللتربية أصولها النفسية : فهي إذ تتأثر بالمجتمع وثقافته تنصب علي الإنسان الفرد وبمعنى آخر فهي عندما تقوم علي دراسة المجتمع والثقافة من أجل توجيه العمل التربوي وتنظيم الخبرة التربوية فإنها تعتبر الإنسان الفرد نقطة البداية لهذا التوجيه ولهذا نأخذ من علم النفس الكثير من القوانين لتطبيقها علي التعلم وتفسير السلوك الإنساني من أجل ضبط واختيار وسائل توجيهه فمهمة علم النفس هي دراسة الوسائل التي تحقق عملية النمو التربوي إذ يترجم أهداف التربية إلي عادات سلوكية يكتسبها التلاميذ في مراحل التعليم المختلفة والعملية التربوية تنصب علي مجموعات من الناشئة في سن معينة يمرون بمراحل نمو متميزة في تاريخهم التطوري الجسمي والعضوي والعقلي والاجتماعي ووظيفة المدرسة أن تزاوج بين أهداف التربية وبين خصائص هؤلاء الناشئة حتى يتحقق الغرض منها ومن هنا لابد للتربية أن تقوم علي ما يقدمه علم النفس من نتائج عن خصائص الأفراد خلال مراحل نموهم حيث أنها تهتم بجوانبه المختلفة الجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية .
    ومن أهم خصائص التربية أنها عملية معقدة تهدف إلي تعديل السلوك الإنساني وتغييره وترتكز التربية في سبيلها لتحقيق ذلك علي ثلاثة أركان أساسية يتضح كل ركن منها من إجابة سؤال من الأسئلة الثلاثة التالية : لماذا نربى ، بما ذا نربى ؟ كيف نربى ؟ وإذا كانت الأصول الفلسفية والاجتماعية للتربية تختص بإجابة السؤالين الأول والثاني ويضاف إليهم علم أصول المناهج وطرق التدريس فإن علم النفس بفروعه المختلفة يعين علي فهم السؤال الثالث والإجابة عنه .
    وإن علم النفس يوفر لكل القائمين علي توجيه الأطفال والشباب النتائج والنظريات التي تفسر السلوك وتعين علي اختيار أفضل طرق التعلم فالمعلم والمخططون للمناهج ومؤلفو الكتب المدرسية وغيرهم يحتاجون إلي معرفة خصائص التلاميذ في كل سن وفي كل مرحلة ومعرفة أثر البيئة علي اهتماماتهم وأفضل طرق التعامل معهم ومعنى الفروق بينهم وأسبابها وطرق الكشف عنها وتقويم تقدم لكل منهم وتقدم الجماعة وهكذا في المسائل الأساسية في بناء العملية التعليمية .
    تسعى الأسس النفسية للتربية إلي الاستفادة من النظريات والمبادئ النفسية في بناء النظام التربوي أي الاستفادة من قواعد علم النفس وأسسه في تصحيح مسار العملية التربوية .
    وعلم النفس يزخر بالكثير من النظريات التي تبنى عليها الأسس التربوية المختلفة في العملية التعليمية فهناك العديد من النظريات التي تفيد في هذا المجال فهو يحتوي علي نظريات التعلم المختلفة مثل التعلم الشرطي والتعلم بالإستبصار وغيرها من النظريات وكذلك نظريات الفروق الفردية والجماعية والنظريات السلوكية والفطرية التي تمس الإنسان وسلوكه والعوامل والمؤثرات التي تؤثر في هذا السلوك .
    وتسعى التربية إلي محاولة التعرف علي النظريات والأبحاث الخاصة بالقدرات العقلية والمهارات المختلفة والعوامل المختلفة التي تؤثر في تلك القدرات والمهارات وكذلك العوامل والظروف التي تساعد علي صقل تلك القدرات العقلية وهذه المهارات وكيفية الاستفادة من المواهب وكذلك توجيه النظر إلي أفضل السبل إلي حل المشكلات وخلق التفكير الناقد لدى التلاميذ والطلاب وكذلك كيف يمكن للتربية أن تراعي مراحل النمو المختلفة التي يمر بها الطفل والخصائص النفسية والاجتماعية لكل مرحلة من هذه المراحل .
    كما تحاول التربية أن تستفيد من النظريات النفسية المختلفة المتعلقة بالأنماط المختلفة لعملية التربية من حيث كونها تربية تسلطية أو تربية تلقائية أو تربية تتسم باللامبالاة أو تربية تقوم علي الحرية أو القمع أو تربية تراعي الرغبات والميول والدوافع أو تربية تهمل هذه الجوانب
    ومن ثم فإنه يمكن القول بأن التربية تعتمد في أسسها ومبادئها علي قواعد ومبادئ نفسية مستمدة من النظريات المختلفة التي يزخر بها علم النفس بفروعه المختلفة .
    وما دام علم النفس يوفر للقائمين علي تربية الفرد كل ما سبق فإن اعتماد التربية عليه بفروعه المختلفة يعد أمرا ضروريا ومن هنا برر بشدة علم الأصول النفسية للتربية كثمرة التزاوج بين علمي النفس والتربية .
    خامسا : الأصول السياسية للتربية :
    يلعب النظام السياسي دورا هاما في تشكيل أصول التربية فما يحتويه هذا النظام من قيم وما يؤكده من اتجاهات وما يتبناه من أهداف يري أن سبيلها إلي التجسيد في الواقع الاجتماعي يتحقق عن طريق تربية الأجيال المختلفة من أبناء المجتمع والتاريخ الاجتماعي للتربية يحدثنا عن أن التعليم كان يتأثر باستمرار بنظام الحكم في المجتمع وبتوجيه الدولة له فلقد كان أرستقراطيا حينما كانت تتسيد الطبقة الأرستقراطية علي المجتمع وهكذا يكون ديمقراطيا في دولة تدين بالديموقراطية ويكون اشتراكيا في دولة تدين بالاشتراكية وبالعدالة الاجتماعية وهو في عصرنا الحاضر يتأثر في بعض المجتمعات بالتوجيه العلمي للدولة والمجتمع وللنظم الاجتماعية فيه ولقد وجد الفلاسفة والمفكرون السياسيون أنفسهم وهم يضعون نظام لدولة مثالية وجها لوجه أمام التربية كأداة لبنائها وبناء مواطنيها علي المبادئ والقيم والتصورات التي وضعوها لهم ولقد كان لهذا التأثير السياسي في التعليم أثره في اختلاف مفاهيم التربية وأهدافها وذلك لاختلاف المفاهيم السياسية من وقت لأخر ومن مجتمع لآخر كما كان له أثره في اختلاف كثير من المفاهيم الاجتماعية المرتبطة بالتربية كمبدأ الإدارة وأسسها وأساليبها ومبدأ الفرص التعليمية وما إلي ذلك ولهذه الأسباب كلها كان علي التربية أن تتخذ لنفسها من السياسة أساسا تستند إليه فتتعرف علي مفاهيمها وأسسها وأهدافها وإدارتها وطرقها ووسائلها ومناهجها وأنشطتها وأبنيتها ومواقعها داخل المدرسة وخارجها كما تضئ لهم معاني كثيرة من محتوى الحقوق والواجبات التي تنشئ الأجيال عليها وما إلي ذلك من الأمور .
    والأصول السياسية هي نتاج التفاعل بين التربية والسياسة حيث تعمل التربية وفقا لهذا في إطار سياسي تخدم في مجتمع معين له أهداف معينة وتشكيلات سياسية معينة فالتربية وهي تضع أهدافها وتحدد وسائلها وإجراءاتها وتصمم وتنفذ برامجها تتأثر بالنظام السياسي للمجتمع فإعداد الفرد للعيش في نظام دكتاتوري يختلف عنه للعيش في نظام ديمقراطي يختلف عنه للحياة في مجتمع اشتراكي يختلف عنه للحياة في مجتمع رأسمالي ومنها فلابد وأن تستمد التربية أسسها من النظام السياسي السائد في مجتمعها حتى يمكنها تربية أفراد المجتمع تربية سياسية تتواءم وتتوافق مع خصائص المواطنة المفروضة وفي ضوء ذلك تتحدد مواقف وعمليات وإجراءات التعليم مثل نوع الإدارة التعليمية ونوع المسئوليات والحقوق في كل موقع مثل موقف المعلمين والطلاب من القضايا الجارية والجدلية ومثل موقف المدرسة والمؤسسات والهيئات التعليمية من الرأي العام ومن التغير الاجتماعي فالتربية شأنها في ذلك شأن أي ميدان في المجتمع تحكمه قوانين ولوائح وتنظيمات وهذه كلها تعبر عن السلطة السياسية في المجتمع وهذا هو قوام الأصول السياسية للتربية
    وتتمثل التربية بهذه الأسس دائماً فى إطار سياسي ، حيث أنها تخدم مجتمع معين بأهداف معينة وتشكيلات سياسية معينة ، هكذا كانت فى كل عصر من العصور وفى كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع ، فالدولة ليست تعبيراً شائعاً ، وإنما هى دائماً تعبر عن علاقات اجتماعية واقتصادية وهى دائماً فى تغير ما دام هناك تناقض فى هذه العلاقات يعبر عنها صراع الصالح بين طبقات المجتمع فقد تعبر الدولة عن مصلحة قله من الناس فتكون ذات اتجاه ارستقراطى استبدادى . وقد تعبر عن مصلحة أصحاب رؤوس الأموال فتكون ذات اتجاه بورجوازى رأسمالى وقد تعبر عن مصلحة أكبر عدد من الناس فتكون ذات أتجاه ديمقراطى اشتراكى والتعليم وسط هذا كله لابد أن يتأثر بفعل توجيه الدولة له ، وبفعل سلطان الطبقة الاجتماعية المسيطرة ، فتتأثر أهدافه وبرامجه بل أساليبه وما ينفق عليه من أموال بل أنه يتأثر فى علاقاته مع المؤسسات والأنظمة المختلفة .
    والتعليم هو أداة تكوين المواطن ومن ثم كان اهتمام الدولة بتوجيه والإشراف عليه ولقد لعب بذلك أدواراً مختلفة خلال التاريخ فقد حرص الفلاسفة والمفكرون ورجال السياسة وهم يسجون نظرياتهم الفلسفية أو السياسية على وضع التعليم وتوجيه فهو فى يد الدولة الدكتاتورية أداة تكوين مواطن يتفق فى صفاته مع نظامها وأهدافها , وهو فى دولة تؤمن بالديمقراطية وتقوم على مبادئها يعتبر السبيل إلى تكوين صفات الديمقراطية ومهاراتها فى المواطنين وهكذا كان بالنسبة للدولة ذات النظام الرأسمالي والدولة ذات النظام الإشتراكى . فالتعليم فى كل الأحوال هو السبيل على التربية السياسية وإلى تكوين المواطنين .
    لهذا لابد أن تقوم التربية على دراسة علم السياسة فتستمد منه المبادئ والمفاهيم التى تساعد على فهم طبيعتها ووظيفتها فى المجتمع ومن خلال هذه المبادئ تتحدد مواقف وعمليات مختلفة فى التعليم مثل نوع الإدارة التعليمية ونوع المسئوليات والحقوق فى كل موقع منها فهى تعبر عن الطابع السياسي العام للدولة فالتعليم شأنه شأن أى ميدان فى المجتمع تحكمه قوانين ولوائح وتنظيمات وهذه كلها تعبر عن السلطة السياسية فى المجتمع .
    سادسا : الأصول الاقتصادية للتربية :
    إن النظرة الثقافية الإجتماعية للتعليم من المنظور السابق يجعلنا ننظر إلى التربية على أن لها أصولا اقتصادية ، فالتربية فى جزء من أهدافها تعد الناشئين ليتحملوا عبء مسئولية دور مهنى فى المجتمع وفى مستقبل حياتهم . ولذلك كان على التربية أن تكون على وعى بالمهن المختلفة فى المجتمع وتطبيقاتها ومحتوياتها ومتطلباتها التعليمية حتى تبنى مناهجها وطرقها ووسائلها بحيث تحقق مثل هذه الوظيفة الاقتصادية للتربية . ومن هذه الزاوية ندرك الصلة بين الاقتصاد والتربية , فالتربية تؤثر فى عمليات الإنتاج وفى التنمية الاقتصادية ، وهى ذات عائد اقتصادي قاسة الباحثون فوجدوه كبيراً جداً ، وبذلك تهتم التربية بجانب تنميتها لشخصيات الأجيال الجديدة وإتاحة الفرص التعليمية آمامها لكى تنمو إلى أقصى حد ممكن ، لإنها تهتم بتنمية مهارات حركية وعقلية تبدأ بسيطة فى الأعمار الصغيرة ، ثم تتدرج حتى تلتحم تماماً مع متطلبات المهن المختلفة .
    ولقد اتضحت هذه الأصول الاقتصادية للتربية خاصة وقد أصبحت أهداف التربية أهدافاً شمولية بالنسبة للفرد وللمجتمع بحيث تسهم فى تنمو الطبيعة البشرية بشكل متكامل وتحقق أهدافاً شاملة اجتماعية واقتصادية ، ذلك بعد أن كانت تهدف فقط إلى تنمية العقل وتنشئة الأجيال الجديدة على قيم خلقية مجردة ، فالتنمية الإجتماعية والاقتصادية فى المجتمع تقوم على أساس وجود مجموعة من القوى البشرية المدربة والمتعلمة والمؤهلة بمهارات تخصصات متنوعة والقادرة على القيام بعمليات الإنتاج المختلفة ، وهذه القوى البشرية تقوم التربية بإعداداها .
    * الأصول الاقتصادية للتربية هى من المجالات التى يتزايد الاهتمام بها بشدة فى العقود الأخيرة فكما كان من الضرورى والأهمية النظر للتربية ودراستها فى علاقتها بالسياسية والبناء الإجتماعى . كان من الضرورى النظر إليها ودراستها فى علاقتها بالاقتصاد . فالتنمية الاقتصادية تتطلب تغيير فى عمليات الإنتاج وفى اتجاهات الأفراد وقيمهم نحو العمل ، كما تتطلب تدريب هؤلاء الأفراد وإكسابهم المهارات اللازمة لإحداث التطور ومتطلبات التنمية وأساس التنافس المحلى والعالمي والذى فرضته قوى وآليات العولمة .
    وقد بلغ الاهتمام بدراسة التربية فى الإطار الاقتصادى ، بعد ما أصبحت قوة الأمم وتقدمها لا تقاس فقط بتوافر لديها من موارد طبيعة وإنما بمدى امتلاكها للقوى البشرية الواعية والمدربة على العمل والإنتاج ورصيدها القوى المعرفى المتمثل فى عدد الاكتشافات العلمية وحقوق الملكية الفكرية المسجلة للمخترعين والموهوبين والمبدعين وغيرهم .
    وإذا كان التعليم هو أساس إعداد البشرية القادرة على كل هذا وغيره كان لابد وأن يكون بينه وبين الاقتصاد علاقات وثيقة ولم يعد ينظر طبقاً لذلك إليه على أنه نوع من الخدمات تقدم للناس فى عزلة عن العمليات الاقتصادية وإنما أصبح ينظر إليه على أنه استثناء بصورة أساسية :
    ومن أبرز المجالات التى تهتم بها الأصول الاقتصادية للتربية :
    · العائد التعليمي مفهومه وجوانبه وصعوبات قياسه .
    · طرق قياس القيمة الاقتصادية للتعليم وصعوبات قياسها .
    · تكلفة التعليم وما يرتبط بها من عوامل تؤدى إلى خفضها
    · الجودة التعليمية واقتصادياتها
    · تمويل التعليم والمصادر البديلة لمصادر التقليدية المتمثلة فى الدولة .
    وبالنسبة للأسس الاقتصادية للتربية فإنها تعنى النظرة إلى التربية من الزاوية الاقتصادية ويمكن أن تتضح هذه النظرة من خلال ذلك الفرع من العلوم التربوية والذى يسمى باقتصاديات التربية أو اقتصاديات التعليم ، هذا الفرع من العلوم التربوية يهتم بدراسة الأوضاع التربوية المختلفة من حيث كونها أوضاعا اقتصادية .
    ومن ثم فإن الدراسات التى يتولاها هذا الفرع من التربية يهتم بدراسة مستوى الدخل القومي والفردي ومدى ارتباطه بمستوى التربية فيه ، والعلاقة بن مستوى الدخل ومستوى التربية ، كما يهتم بدراسة التربية من حيث كونها عملية استهلاكية أو استثمارية وما هى الأنواع المختلفة من التعليم التى تعطى عائداً كبيراً بالنسبة للدخل القومى ، كذلك يبحث هذا الفرع الأسباب والعوامل التى تؤى إلى وجود فاقد فى التعليم مما ينتج عنه خسارة اقتصادية بالنسبة للدولة وكذلك الفرد .
    ومن وجهة النظر الاقتصادية يجب أن يعمل المجتمع على إكثار العائد من التربية من خلال زيادة كفاءة العمليات التربوية والاستخدام الفعال لأوقات المعلمين والتلاميذ والعناية بالطرق الأكثر كفاءة لتنمية القدرات التى يحتاج إليها المجتمع ، فكل هذه العوامل مع غيرها من العوامل تستطيع أن تكثر بشكل سريع من العائد الاقتصادى للاستثمار فى التربية .
    وإقامة التربية على هذه الأصول تعنى تغير النظر إلى المعرفة التى تتناولها المدارس فى توجيه نمو التلاميذ وفى تحقيق أهدافها الإجتماعية وفى تحقيق أهدافها ، فالمعرفة ليس غيبية أو فردية أو ذاتية فهى تأتى نتيجة التفاعل المستمر بين الفرد وبيئته حيث تأتى من جهد الإنسان فى مواجهة مشكلات الحياة وبحثه عن حلول لها والتربية من هذا المنظور شأنها شأن العلوم الأخرى حيث ينبغى النظر إلى حقائق التاريخ والعلوم الإجتماعية بنفس النظرة العلمية التى تتبع قواعد العلم وقوانينه ومن ثم يكون لها الأثر فى الارتقاء بالخبرة الإنسانية والمعرفة فى ضوء ذلك يكون لها صفة اجتماعية ووظيفية اجتماعية .


    التــربـيـة
    (مفهومها ، أهدافها ، أهميتها )
    تعتبر التربية ظاهرة اجتماعية ذلك لأنها لا تتم في فراغ أو دون وجود المجتمع إذ لا وجود لها إلا بوجود المجتمع وفضلا عن ذلك فإن وجود الإنسان الفرد المنعزل عن مجتمعه أو جماعته لا يمكن تصوره إذ أنه مستحيل بلا خرافه .
    والتربية في كل أحوالها لا تهتم بالفرد منعزلا عن المجتمع بل تهتم بالفرد والمجتمع معا وفي وقت واحد ومتزامن من خلال اتصال الفرد بمجتمعه وتفاعله معه سلبا وإيجابا .
    تلعب التربية دورا مهما وخطيرا في حياة الأمم فهي أداة المجتمع في المحافظة علي مقوماته الأساسية من أساليب الحياة وأنماط التفكير المختلفة وتعمل هذه الأداة علي تشكيل مواطنيه والكشف عن طاقاتهم وماردهم واستثمارها وتعبئتها .
    وعلي أساس هذا التعريف يتضح أن التربية عمل إنساني وأن مادتها هي الأفراد الإنسانيين وحدهم دون غيرهم من الكائنات الحية الأخرى أو الجامدة ومعنى هذا أنه قد يكن هناك تدريب للحيوان ولا تكون هناك تربية له وبذلك تتميز طبيعة الأفراد الإنسانيين عن غيرها في المستويات الحيوانية الأخرى علي أنه يجب ألا يفوتنا أن نذكر أن اهتمام التربية وتركيزها علي الفرد الإنساني وحده لا ينفي أن هناك اتصالا واستمرارا من نوع معين بين المستويات الحيوانية والمستويات الإنسانية .ويتجلى من التعريف السابق أيضا أن التربية ليست شيئا يمتلكه الأفراد ولكنها عملية لها مراحلها وأهدافها فالمعرفة أو المهارة أو الأخلاق الحسنة ليست في ذاتها تربية ولكنها تدل فقط علي أن الفرد قد تربى وعندما نقول أن المدرسة تربي فمعناه أنها تنشغل بعملية معينة وعندما نقول أن الفرد قد تربى معناه أنه قد مر بعملية معينة .
    والتربية بذلك عملية تنمية للأفراد الإنسانيين ذات اتجاه معين . ويترتب علي ذلك أنها تحتاج إلي وكيل تربوي يوجه الشخص الذي يمر بهذه العملية أي أنها تقوم علي أساسين وهما التلميذ والوسيلة التربوية التي تشكل طبيعته الإنسانية . ويقوم علي هذه الوسيلة التربوية ويوجهها أفراد إنسانيون.وبذلك تكون التربية عملية تنمية لأفراد إنسانيين يقوم بها أفراد إنسانيون
    وبقدر اختلاف المجتمعات وتباينها تختلف التربية في أنواعها ومفهومها وأهدافها وطرقها والسبب في ذلك فعل وتأثير القوى الثقافية التي تؤثر في كل مجتمع علي حدة والأمر يتضح جليا إذا سلمنا أن لكل مجتمع إنساني قيمه ومعاييره وأهدافه التي ينشدها وتعبر عنه ويعمل جاهدا علي تحقيقها بطرقه ووسائله الخاصة به والتي تتناسب معه وارتضاها وذلك من خلال أفراده ولبناته المكونة له .
    * مفهــوم الـتـربيـة : -
    تتعدد الآراء حول مفهوم التربية ويختلف الناس حولها ومرجع ذلك يكمن في الاختلاف حول موضوع التربية وأيضا فهم الطبيعة الإنسانية والذي يعود في المقام الأول إلي الاختلاف في الفلسفات أو البيئات الثقافية التي تتميز وتتباين بتباين القوى والعوامل المؤثرة من فلسفية وثقافية واجتماعية ودينية وهكذا ...
    وبذلك اختلف المربون والمفكرون والعلماء في معنى التربية نظرا لاتساع مدلولها .
    ولقد قدم وليم فرانكينا N. K , Frankona تعريف للتربية حيث قال " أن مصطلح التربية قد يعني أي مما يأتي :
    1. ما يفعله الآباء والمدرسين والمدرسة أو بمعنى آخر النشاط الذي تقوم به لتعليم الصغار .
    2. ماذا يحدث في داخل الفصل من تغيرات أو عملية كونه متعلما .
    3. المحصلة النهائية أو ما يكتسبه الطفل وما يسمى في النهاية بالتربية .
    4. أن نظام التربية هو ذلك النظام يدرس أي من الثلاث نقاط السابقة .
    لقد عرفت التربية أيضا بأنها عملية تكيف مع البيئة المحيطة أو بأنها عملية تكيف مع الثقافة المحيطة . فالعملية التربوية تتفاعل مع البيئة من ثقافة ومكونات مادية وغير مادية وبكل عناصر ها الطبيعية والإنسانية . إنها تفاعل مع الحياة مع الإنسان فهي عملية مستمرة كالمجتمع .
    التربية عملية تطبيع اجتماعي تهدف إلي إكساب الفرد ذاتا اجتماعية يتميز بها عن سائر الحيوانات الأخرى في جميع مستوياتها التطورية فهي التي تجعل من الفرد عضوا عاملا في الجماعة حيث يتطبع الفرد بطباع الجماعة المحيطة به وعملية التطبع هذه تحدث في إطار ثقافي معين يتحدد علي أساسه اتجاهها ومفهومها ومعناها ولكن هذا الإطار الثقافي يختلف من مجتمع إلي مجتمع آخر .
    أما أحدث التعاريف للتربية فهو التعريف الذي يدور حول عملية التكيف أي أن : التربية هي عملية التكيف أو التفاعل بين المتعلم وبيئته التي يعيش فيها .
    مما تقدم من تعار يف يتضح لنا أن معظم من عرفوا التربية وكذلك معظم المفاهيم التربوية تشتمل علي :
    1. أنها جميعا تقتصر علي الجنس البشري .
    2. أنها جميعا تعتبر التربية فعلا يمارسه كائن حي في كائن حي آخر وغالبا ما يكون إنسان راشد في صغير أو جيل بالغ النضج في جيل ناشئ .
    3. أنها جميعا تقر أن هذا الفعل موجه نحو هدف ينبغي بلوغه علما بأن الهدف يحدد له غاية تهم المجموعة التي تقوم بعملية التعليم .
    أمام هذا كله تبدو التربية وكأنها لا تخضع لتعريف محدد وأن تعدد مفاهيمها أمر طبيعي يتناسب مع مكانها وسط الظروف والعوامل المتغيرة وأننا ينبغي أن نسلم بهذه المفاهيم مادامت التربية قضية عامة تشغل كل فرد وليست مسألة فنية شأنها شأن مسائل العلم الأخرى التي يختص بها المتخصصون من العلماء والفنيين .
    ويبدو أن مرد هذا الاختلاف هو عدم النظر إلي التربية نظرة شاملة والاقتصار في ذلك علي نظرة جزئية ، ومن ذلك :
    · النظر إليها من خلال تأثرها بالظروف الاجتماعية والسياسية في اختلافها بعوامل الزمان والمكان فقط .
    · النظر إليها من خلال التعليم المدرسي فقط .
    · النظر إليها من خلال نوع مادة التعليم .
    · النظر إليها من خلال التخصصات المختلفة .
    1- فالاختلاف حول مفهوم التربية قد يأتي نتيجة المعاني المختلفة التي تعطيها لها مختلف الأمم والجماعات فإنها من المعاني في البيئات الريفية غير ما لها في المناطق الصناعية وقد يكون من الخطأ أن تفسر معنى التربية في البلاد النامية مثلما تفسر به معنى التربية في أمة بلغت مرحلة متقدمة من الحياة ثم إنه حتى في حالة البلاد التي يجمع بينها كثير من أوجه الشبه قد تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا في مجال التربية سواء من ناحية الفكرة أو الممارسة والتطبيق بل وأكثر من ذلك فقد تختلف الآراء حول معنى التربية في داخل البلد الواحد ومرد ذلك إلي اختلاف المواقع والمواقف التي ينظر منها الناس إلي التربية فقد تختلف نظرة الناس إليها في المناطق الفقيرة عن نظرة الناس إليها في المناطق الغنية وهكذا .
    2- قد يأتي هذا الاختلاف نتيجة النظر إليها من زاوية التعليم المدرسي فقد نجد من يؤكد أن التربية تقتصر علي أماكن الدراسة باعتبارها الأماكن التي تخصصت في فن التعليم والتي تهدف إلي إحداث تغيرات مرسومة وواضحة في سلوك الناشئين والشباب وعلي أساس أن غيرها من الأماكن والمنظمات لها من الوظائف الأخرى ما يبتعد بها عن أية مسئولية تربوية
    3-هناك من يذهب إلي أن التربية لا تشمل مراحل الدراسة المقصودة في المدرسة وفي الجامعة فحسب بل تمتد إلي أبعد من ذلك فتشمل حتى المؤثرات غير المباشرة والعوامل العارضة فالتربية لا تشمل كل ما نصنعه لأنفسنا وكل ما يصنعه غيرنا من أجلنا بقصد الاقتراب من الكمال في طبيعتنا البشرية فحسب بل إن قوى التربية تمتد إلي أبعد من ذلك فهي بأوسع معانيها تشمل أيضا الآثار غير المباشرة في خلق الفرد وسلوكه وملكاته وقد تحدث هذه الآثار نتيجة لعوامل ليس من أهدافها المباشرة إحداث الآثار كما هو الشأن في القوانين والنظم الحكومية والفنون الصناعية وأساليب الحياة الاجتماعية بل وحتى الحقائق الطبيعية نفسها لا تخضع للإدارة البشرية كالجو والتربة والموقع .
    4- وقد يظهر الاختلاف حول مفهوم التربية نتيجة عدم الاتفاق حول مادة التعليم ومحتواه . وقد ظهر هذا الاختلاف بين المفكرين والفلاسفة منذ وقت طويل ومن ذلك ما نجده في إحدى ملاحظات أرسطو نفسه إذ يقول " ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا طبيعة التربية أو الوسائل الصالحة لتحقيقها ويشهد الوقت الذي نعيش فيه خلافا فعليا حول هذا الموضوع فالناس غير مجمعين علي الموضوعات التي ينبغي أن يتعلمها الصغار ولا يتفقون علي الغاية المنشودة من تعليمها .
    5- وقد ظهر الاختلاف حول مفهوم التربية أيضا علي ضوء اختلاف المداخل لدراستها فنظرا لأهميتها في استمرار المجتمع وتطوير ثقافته وتكوين اتجاهاته إنها كانت موضع اهتمام كل من بحث في شؤون المجتمع والثقافة وفي طبيعة الأفراد ودورهم فيه فتعددت مفاهيمها واختلفت باختلاف المدخل إلي تفسير المجتمع والثقافة وطبيعة الأفراد فعرفها عالم البيولوجي بأنها عملية ملاءمة من جانب الفرد للبيئة التي يعيش فيها ونظرا إلي الفرد فيها من زاوية تطوره الطبيعي في مراحل تطوره ونموه وأصبحت في نظر عالم النفس مرادفة لعملية التعلم بصرف النظر عن ظروف الزمان والمكان التي يعيش فيها الفرد والتي تشكل سلوكه واتجاهاته ونظر إليها أصحاب الاتجاه المحافظ ممن اهتموا بالثقافة والتراث الثقافي من حيث كونها وسيلة الثقافة في المحافظة عليها ونقلها من جيل إلي جيل بينما نظر إليها أصحاب الاتجاه التقدمي المتطرف من زاوية الفرد فاعتبروها العملية التي يعبر فيها الفرد عن ذاته بميولها ورغباتها .
    * ماهية التربية : -
    التربية كموضوع يجب أن تعطي أهمية كبيرة فعن طريقها تتم عملية الحياة بانسجام
    وتوافق مع المجتمع وعن طريق التربية أيضا ترقى الأمم وتتقدم .
    ومنذ عرف التاريخ والفلاسفة يبحثون عن أفضل السبل للحياة الإنسانية الجيدة علي هذه الأرض ومن ثم يهدفون إلي تحقيق بقائهم وبقاء نظمهم وقيمهم ومبادئهم وقوانينهم وشرائعهم واستمرار أفكارهم ومنتجات عقولهم وكان سبيلهم في غرس كل هذه المبادئ والمعتقدات والأفكار وزرعها في عقول الأجيال واستمراريتها هو العملية التربوية العملية التي تنقل هذا المبادئ والأفكار إلي الأجيال ولم يكن هذا النقل عشوائيا في أي يوم من الأيام بل كان ولا يزال وسيبقى منظما مرسوما مقننا ينقل للأجيال اللاحقة بنظام وبخطط تابعة يرضى عنها هؤلاء كما يرضى عنها المجتمع بما فيه من نظم وقيم وأنظمة حكم كما لم تكن هذه العملية جامدة بل كانت متطورة متغيرة متدرجة, وهي عملية عالمية لا تقتصر علي فئة دون أخرى أو نوع من البشر دون آخر .وهي عملية تعد الإنسان بما يناسبه في حياته اليومية وممارساته الحياتية إنها تعد الإنسان المفكر الإنسان الذي يبني اليوم ليسكن غدا وينمو بعد غد ويخلف تراثا قيما للأجيال علي مر السنين إنها تعد الإنسان القابل للتكيف المتفتح للتطور والازدهار إنها عملية بناء البشر وهي عملية ليس سهلة ولا يمكن التحكم بها كما يبني المهندس عمارة شامخة أو المصانع صناعة قوية إنها عملية إنسانية تعني بالإنسان .
    وإن هذه العملية قديمة قدم المخلوقات علي وجه هذه الأرض وهي مستمرة استمرار الحياة علي وجه هذه البسيطة وستبقى مع بقاء الإنسان كانت العملية التربوية ولا تزال مجال اهتمام المجتمعات المتطورة والتقدمية وقد أولت الدول المعاصرة والحضارية عناية خاصة للتربية وخصصت لها المال والجهد وأعدت لها الخبراء والمتخصصين لما لها من أهمية في صنع الإنسان المتطور في المجتمعات العصرية .
    ولم تكن العملية التربوية يوم أو ساعة ولكنها عبارة عن تراكمات من الخبرات والسلوكيات التي رضيت عنها الشعوب علي مر الزمن فبواسطة العملية التربوية عرف الفرد الحقائق الموجودة في العالم وتعلم المهارات التي تفيده في الحياة وبواسطتها نمت قدراته وتشعبت ميوله وحققت رغباته ولهذا جاءت التربية بمفاهيم كثيرة وفسرت بمعان عدة ولكن كل معرف لها لا يعدو أن يخرجها من نطاق الفائدة والتكيف مع الحياة المحيطة في الوقت المحدد والمكان المعين .
    إن العملية التربوية ليست حكرا علي أحد ولا هي مهمة إنسان دون آخر كما أنه عملية عامة قد يقوم بها الأب أو الأم أو المدرس أو المدرسة أو السائق أو البائع أو أي مخلوق قد تأهل لذلك : أي : مخلوق عرف قيم مجتمعه وتقاليده عرف عاداته وقيمه ونظمه عرف ما هو صالح وغير صالح عرف ما له وما عليه فرجل الدين مربى والمدرس مربي والأب مربي والقائد مربي ولأن العملية التربوية عملية تكيفية عملية تكيف مع الحياة والتأقلم مع البيئة المحيطة سواء كانت البيئة الطبيعية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية فهي عملية قديمة قدم هذه الحياة فمنذ وجد الإنسان وهو يدرب أبناءه علي العيش في البيئة والتغلب علي صعاب الحياة وتلك هي العملية التعليمية التي يحافظ بها الإنسان علي بقائه وبالتالي استمراريته . لقد بدأ الإنسان الحياة منفردا وتزاوج وصار له عائلة وكبرت العائلة فأصبحت عشيرة وتجمعت العشائر وتكونت القبيلة واتحدت القبائل فتكونت الدولة وصار لابد لهذا التراث من ديمومة وكانت ديمومته بالعملية التربوية التي تنقل التراث وتحافظ عليه وتنميه وتطوره وتبقيه علي الدوام واتسعت معاني العملية التربوية باتساع المجتمعات واختلفت باختلاف الأمم وتنوعت بتنوع الأنظمة وتعددت بتعدد المفكرين لهذا صارت مدلولات التربية مختلفة وشاملة وعامة لا تخص فئة واحدة دون الأخرى ولا تقتصر علي أمة دون غيرها ولا هي وليدة زمان دون زمان بل هي عملية استمرارية غير محدودة بزمان أو مكان أو شعب دون شعب .
    العملية التربوية إذ عملية هامة لبني البشر وأهميتها تكمن في كونها الطريق المنظم لنقل التراث استمرار بقائه لكل الأمم .
    إن جذور التربية قديمة وفروعها مستحدثة وثمارها تقدمية مستمرة وهي بالتالي شجرة باسقة الطول جذورها في أعماق الأرض وفروعها في أعالي السماء ..
    * أهــداف التـربـيـة : -
    إن التربية عملية فردية اجتماعية تتعامل مع فرد في مجتمع تنقل إليه معارف ومهارات ومعتقدات ولغة الجماعة من جيل إلي جيل والإنسان هو موضوع التربية تعني بسلوكه وتطويره ولكن ليس بمعزل عن الجماعة لأن الذات الإنسانية لا تتكون إلا في مجتمع إنساني وبقدر ما يتوافر للتربية من وضوح وعمق في المفاهيم والأسس التي تستند إليها تكون قوتها وفعلها في حياة الأمم والشعوب وفي اتجاهات الأفراد وفي العلاقات المختلفة وفي مجالات العمل المتعددة ونظرا لهذه الأهمية للتربية باعتبارها مسألة حيوية لازمة وضرورة اجتماعية فلقد زاد اهتمام الناس بها واشتدت الحاجة إلي دراستها والتعرف علي أبعادها ومن ثم كان ضروريا بالنسبة لدارس التربية وممارسها في المستقبل أن يتعرف علي طبيعة هذه العملية ماهيتها وجوانبها المختلفة وضرورتها .
    يمكن القول أن هدف التربية الأساسي هو أنسنة الإنسان أي جعله مخلوقا إنسانيا يعيش في مجتمع ضمن إطار اجتماعي يحتوي علي تقاليد ونظم وقيم ومعايير وأفكار خاصة به .
    والعملية التربوية تكسب الفرد حضارة الماضي وتمكنه من المشاركة في ممارسة حضارة الحاضر وتهيئة للتطوير وإضافة واختراع وتقدم حضارة المستقبل
    إنها عملية تسهم وتشارك وتدفع عجلة الزمن للبقاء إنها تحصيل فرد في تراث الجماعة وتراث جماعة ينتقل بواسطة فرد .
    فالتربية وسيلة وهدف طريقة وغاية تبدأ مع بدأ الحياة ولا تنتهي رغم نهاية حياة الأفراد لأنها اجتماعية تخص المجتمع كما تخص كل فرد فيه هي راية تسلمها الجيل الحاضر من الجيل الماضي وسيسلمها الجيل الحالي إلي الأجيال القادمة هي عملية اجتماعية رغم كونها من العلوم التطبيقية فهي جهد اجتماعي يمارس في المجتمع ويطبق علي مر الأجيال .
    إن وظيفة التربية تكون أساسا في نقل التراث من جيل وفي اكتساب الخبرات المتزايدة كأساس للنمو وتعديل النظم الاجتماعية المختلفة وتطويرها كما تعمل التربية علي تزويد أفراد المجتمع بالمواقف التي تنمي التفكير لديهم .
    والتربية هي مؤسسة الثقافة التي عن طريقها يمكن تغيير عقول الأفراد وتجديدها.

    * أسس التربية : -
    إن اعتبار التفاعل بين القوى الاجتماعية حقيقة المجتمع والثقافة نتاج هذا التفاعل يعني ارتكاز كل منهما علي حقيقة أخرى هي وجود قوة يملكها الأفراد بحكم وجودهم الاجتماعي والثقافي تحقق لهم استمرار هذا التفاعل وتضمن لهم كذلك الإفادة من هذا النتاج بعد تمثلهم له واستيعابهم لعناصره في دفع أسباب حياتهم الثقافية والاجتماعية .
    وهذه القوة هي التربية التي إن دلت علي شيء فإنها تدل على :
    أولا: علي استعداد الفرد اللامتناهي للتغير والتشكل.
    ثانيا :علي قدرته في أن يغير هو نفسه بما تغير به في أسلوب حياته وأساليب حياة مجتمعه وأنماط ثقافته .
    ثالثا: علي تشخيص المحيط الثقافي الذي ينتمي إليه وتبين ما فيه من عناصر قوة وضعف والتمييز بينها وتوجيهها وصولا إلي مستوى أفضل لهذا المحيط بمستوياته المختلفة المتعددة
    رابعا :علي مدى ما يبذله من إيجابية في النهوض بمستوى عمليات التفاعل والاتصال بينه وبين الآخرين في الدوائر الاجتماعية المختلفة التي يمارس فيها أدواره باعتباره عضوا في جماعات مختلفة ينظمها مجتمعه .وهذه القوة بهذا المعنى لا توجد بدايتها ولا تستمر من تلقاء نفسها إذ توجد بوجود الأفراد في جماعاتهم الإنسانية وبفعل نشاطهم وممارستهم لأساليب العمل والتفكير في سياق عمليات التفاعل المتصلة التي يعيشون فيها وبواسطتها إذ أن فعل التربية بهذا المعنى الثقافي العام لا تنفرد به مؤسسة واحدة من مؤسسات المجتمع ذلك أن عملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي التي تعتبر التربية قرينة لها لا تقتصر علي مؤسسة بعينها أو علي موقف واحد من مواقف الحياة بل إنها عملية موصولة تشارك فيها جميع الدوائر الاجتماعية التي تتمثل في وسائط الثقافة كالأسرة والمسجد أو الكنيسة وجماعة الرفاق والزملاء والمدرسة والهيئات والروابط الاجتماعية وما يستحدثه أفراد المجتمع من وسائل اتصال وتجمع كالأندية والتنظيمات الاقتصادية والسياسية والصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والتليفزيون . ومن هنا تبرز لنا بعض الأسس التي لابد من الوعي بها واعتبارها إطارا تعمل فيه التربية .
    أولا – إن التربية عملية اجتماعية ثقافية تشتق ضرورتها من ضرورة الوجود الاجتماعي للأفراد ومن كونهم حملة الثقافة .
    ثانيا - إن الثقافة بكل وسائطها تعتبر الوعاء التربوي العام حيث تحدث عملية التنشئة الاجتماعية للأفراد بما تؤدي إليه من اكتسابهم أنماط سلوكية تحدد علاقاتهم وتعبر عن نفسها فيما يقومون به من أدوار اجتماعية .
    ثالثا –إن المدرسة وهي المؤسسة التربوية المتخصصة تعتبر واحدة من بين مؤسسات اجتماعية مختلفة لا بد من التنسيق بينها لتوجيه مؤثراتها وتحويلها إلي مؤثرات تربوية في حياة الأفراد يتوافر فيها الوعي والهادفية والتخطيط .
    رابعا-إن دور التربية في عمليات التغير مسئولية مشتركة بين المدرسة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية حتى تقوم التربية بالفعل بهذا الدور وهو تيسير التغير ودفعه والمزيد منه في آن واحد .
    * ركــائـز التـربـيـة :
    إن التربية تدور حول الإنسان وحول مكانه من الحضارة التي يعيشها ويصنعها مجتمعه وهذا يعطي للتربية ركائز تستمد منها وظائفها وأهدافها :
    -الرصيد الثقافي يعتبر مصدرا أساسيا للتربية تستمد منه مادتها وبعض تصوراتها ومقاييسها ومن هنا فإن عمليات الاستيعاب والحفظ والاسترجاع تعتبر من العمليات التعليمية الهامة لأنها تنمي عند الإنسان هذه القدرات التي ميزته عن غيره من الكائنات الحية والتي مكنته من صنع التاريخ والثقافة والمحافظة عليهما وتطورهما والاستمرار بهما وعن طريقها .
    - والحاضر الذي يعيشه الإنسان يعتبر مصدرا ثانيا ، تستمد منه التربية أيضا أهدافها ومادتها ومقاييسها . فمشكلات هذا الحاضر وقضاياه وتحدياته هي التي تشكل التربية وتكون المطالب الملقاة عليها والإنسان لا يستطيع أن يواكب كل هذا إلا بالنقد والتحليل والاستقراء ومن هنا يصبح التفكير عملية أساسية للتربية من أجل تحقيق وظيفتها والتفكير هنا يعني إدراك العلاقة بين الحاضر بمشكلاته وقضاياه وتحدياته – وبين الماضي الذي يعتبر سببا له .والمستقبل الذي يتطلع إليه الإنسان في مجتمعه يعتبر مصدرا ثالثا تستمد منه التربية توجيهاتها وأهدافها وتصوراتها فإذا كان الماضي يغذي الحاضر فإن الحاضر لابد أنه يغذي المستقبل بل أن تصوراتنا عن هذا المستقبل تغذي الحاضر وهكذا والتربية بطبيعتها عملية مستقبلية كما أنها عملية ثقافية اجتماعية ومن هنا فإن تنمية التصور والتخيل والقدرة علي الخلق والإبداع تعتبر من وظائف التربية لأن كل هذه القدرات هي سبيل الإنسان إلي صنع مستقبله والتنبؤ به .
    * ضرورة التربية : -
    التربية عملية ضرورية للإنسان الفرد كما هي ضرورية للجماعة ولكل الكائنات الحية فكل الكائنات الحية تسعى إلي تخليد جنسها وذلك بالتناسل ومن ثم الاحتفاظ بالنسل وحمايته أما الإنسان فتربيته تتم عن طريق تدريب الصغار علي طرق المعيشة أو العيش المناسب لكي يتمكنوا من الحفاظ علي أنفسهم ولكن ليس من السهولة بما كان المحافظة علي هدف الحياة بدون توجيه ونصح ممن هم أكثر خبرة وأكبر سنا فالطفل كما يرى بعض علماء النفس يولد وهو مزود بالقدرة علي سلوك خاص أو علي نوع من السلوك ثم تأتي حاجته للتكيف مع المجتمع وهنا يحتاج لمن يأخذ بيده ويرشده لمعرفة حاجات ذلك المجتمع ليستطيع العيش فيه وهنا تأتي ضرورة التكيف مع البيئة من حوله ( البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية معا لأن لهما أكبر الأثر علي حياة الفرد ولا يمكن الفرار منهما أو التهرب من مطالباتهما وبما أن لكل مجتمع متطلباته الخاصة فيجب علي الأفراد بالتالي أن يخضعوا لتلك المتطلبات إذا ما أرادوا العيش في ذلك المجتمع وقد عرفنا أن التربية عملية مستمرة دائمة بل عملية نمو دائم للإنسان فهي بالتالي عملية تحتاج إلي وقت طويل لأن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتمتع بمراحل نمو طويلة وبطيئة في نفس الوقت وبما أن عملية التربية تستمر فترة طويلة فهي بالتالي تتأثر كثيرا بالخبرات الفردية وكلما ارتقى الإنسان وكلما تقدمت وسائل الحضارة لدية كلما احتاج للتربية وذلك لاحتياجه لعملية التكيف مع البيئة الجديدة لهذا فحاجتنا للتربية تزداد يوما بعد يوم والتربية عملية واعية وليست عشوائية فهي عملية هادفة لها أهداف ونظم وقواعد ولكنها تختلف باختلاف المجتمعات علي أن ضرورة التربية للإنسان تتضح في الأمور التالية التربية ضرورية للإنسان للمحافظة علي جنسه وتقدمه وذلك لتوجيه غرائز الإنسان من عواطف وميول لكي تخدم المجتمع للحياة الأفضل . لذا نؤكد على ما يلي :
    · التربية ضرورية لتقدم بني البشر ورقيهم رقيا مستمرا وإن طول مدة الطفولة تساعد الإنسان علي التربي والترقي .
    · التربية ضرورية لكي يواجه بها الإنسان متطلبات الحياة وما يحدث من تنافس بين الأفراد وذلك من أجل العيش عيشة سعيدة في مجتمعه .
    · التربية ضرورية للأمة كما هي ضرورية للفرد فهناك تنافس للأمم كما هو قائم بين الأفراد فكل أمة تريد الأخذ بأسباب الرقي والتقدم حتى تساير ركب الحضارة وتنافس غيرها من الأمم في مختلف الميادين ثم إن ضرورة التربية للأفراد تضاهيها ضرورتها للمجتمعات فهي إذن ضرورة فردية من جهة وضرورة اجتماعية من جهة أخرى.
    * أهميـة التـربيـة
    1- التربية وسيلة اتصال وتنمية للأفراد : إن بقاء المجتمع لا يعتمد فقط علي نقل نمط الحياة عن طريق اتصال الكبار بالصغار أيا كان نوع هذا الاتصال ولكن بقاء المجتمع يتم بالاتصال الذي يؤكد المشاركة في المفاهيم والتشابه في المشاعر للحصول علي الاستجابات المتوقعة من أفراد المجتمع في المواقف .
    2- التربية تعمل علي استمرار ثقافة المجتمع وتجديدها ونقل التراث الثقافي : وبهذا المعنى تحتل التربية مكانها البارز في ثقافة المجتمع فهي السبيل مهما كانت صورتها ومنظماتها إلي تشكيل الأفراد وتحقيق الاستمرار بين الأجيال المختلفة وفي حياة المجتمع بصفة عامة فلابد لكل جيل أن يدرك إلي أين وصل أسلافه حتى يبدأ سيره من حيث قطعت عليهم آجالهم المسير تنتقل وتستمر عن طريق التفاعل والتنشئة والتربية .
    3- تكون الاتجاهات السلوكية : هذا وهناك وظائف اجتماعية أخرى كثيرة للتربية تتحقق من خلال عمل البيئة الاجتماعية ذلك أن الطريقة الوحيدة التي يسيطر بها الكبار علي تربية الصغار إنما تحدث بالسيطرة علي البيئة التي يعملون فيها ويفكرون ويشعرون
    إن الأثر التربوي للبيئة الاجتماعية ينعكس في تكون شخصية الفرد واتجاهاته العقلية العاطفية وفي تحديد أنماطه السلوكية وإن البيئة تتطلب من الأفراد استجابات معينة في مواقف معينة فالوسط الخاص الذي يعيش فيه الفرد يقوده لرؤية أشياء أكثر من غيرها ولاتخاذ أسلوب معين في العمل بنجاح مع الآخرين وهكذا يكتسب الفرد من هذا الوسط اتجاها سلوكيا يظهر في نشاطه وتفاعله مع أهل بيئته .
    وتتكون الاتجاهات السلوكية في البيئة بواسطة تشكيل العادات الدافعة للطفل وتثبيتها وبتعديل دوافعه الأصلية علي تعديل مبدأ اللذة والألم .
    4- دور البيئة في تزويد الفرد بالمواقف والمثيرات التي يستجيب لها وفق نمط الاستجابة البيئية .
    5- تكون البيئة عملية تعلم لأنماط سلوكية موجودة في البيئة لوجود مثيراتها كما أن الأنماط تختلف من بيئة لأخرى تبعا لاختلاف المثيرات واختلاف الاستجابات المترتبة عليها .
    6- تحقيق النمو الشامل واكتساب الخبرة : تهيئ التربية الوسائل المختلفة لتحقيق إمكانيات النمو للطفل عقليا واجتماعيا وجسما نيا والبيئة هي الوسط التربوي لذلك فالطفل يعتمد علي الكبار في إكسابه الخبرة اللازمة لتكيفه وتفاعله مع الآخرين وتكتسب هذه الخبرة بتكوين العادات الإيجابية التي يسيطر بها الطفل علي بيئته ويستخدمها في تحقيق أهدافه .
    7- اكتساب اللغة : يتضح أثر البيئة في تعليم اللغة وتحصيل المعرفة فالطفل يتعلم اللغة وأساليب الكلام ممن يختلط بهم في مراحل نموه الأولى وتكون اللغة والمعرفة عندئذ في أبسط صورهما فالطفل عند سماعه للصوت فإنه غالبا ما يسمعه مصاحبا أو مرتبطا بشيء محسوس 8-التربية تعمل علي تحقيق الديموقراطية : وللتربية في عالمنا المعاصر المكانة الأولى في تحقيق آمال الشعوب في حياة تستند إلي الحرية والعدالة وحكم القانون فهذه المفاهيم وما يرتبط بها من ممارسات لا تولد مع الأفراد وإنما يكتسبونها بالتعليم والممارسة والتطبيق ولهذا طالب أصحاب التربية المحدثون بأن تكون المدرسة مكانا يتهيأ فيه الناشئون لأساليب الحياة الديموقراطية فيفهمون مبادئ هذه الحياة ويمارسونها في خبرات تربوية منظمة فالديموقراطية تستمر من تلقاء نفسها ولا تستقيم بإطلاق حرية الأفراد وإنما هي قيم وعلاقات وأساليب تفكير وقواعد وضوابط يجمع الفرد بمقتضاها بين حريته ومسئوليته وبين حقه في النمو وواجبة نحو الجماعة وبين التفكير وكل هذا يتطلب نوعا من التربية يمكنه من ممارسة الحرية علي أساس من العلم ويتيح الفرصة أمام كل الناس مع الكشف عن الامتياز والتفوق بينهم وهكذا .
    9- التربية تعمل علي تذويب الفوارق بين الطبقات : ذلك لأن انتشار المعرفة وذيوع العلم ينحو إلي إضعاف الميزات الصناعية التي تفرق بين الناس ويدعو إلي حسن التفاهم والتعاون بين هذه الطبقات وبذلك تكون التربية هي الدعامة الأساسية في تحقيق أي تحول اجتماعي يهدف إلي إذابة الفوارق بين الطبقات وجعل الامتياز في المهارة والعمل لا الثروة أو النسب أو الأصل هو أساس الحكم علي الأفراد .ومن هنا ارتبطت التربية في عالمنا المعاصر بالفلسفات الاجتماعية حيث أن أية فلسفة لا يمكن أن تتحقق بالقانون وحده أو بإجراءات وتنظيمات إدارية دون أن تستند إلي فكرة وسلوك يعبر عنه الأفراد في تفاعلاتهم وعلاقاتهم وفي داخل أنظمتهم ودوائر نشاطهم .
    10- اكتساب القيم الخلقية والجمالية وتذوقها : لقد عرفنا أن للبيئة تأثيرها اللاشعوري في اكتساب عادات اللغة وأساليب الكلام من خلال نشاط الصغار وتفاعلهم مع الكبار كما أن هذا التفاعل يترك أثاره العميقة في اكتسابهم القيم والاتجاهات والعادات الخلقية .
    10- تحقق التطور وتشكل المستقبل : تعتبر التربية دائما عاملا من عوامل التطور دافعا إلي التبديل والتقديم .والتربية هي تشكل الفرد والثقافة وتقوم بدورها في المجالات السياسة والاقتصادية والاجتماعية ترتبط بالمستقبل وتؤثر فيه بل يمكن القول أنها صانعة المستقبل فالأطفال الذين يولدون اليوم سيعلمون في المجتمع بعد عقدين من الزمان فإن كان المجتمع د تغير إلي درجة كبيرة خلال السنوات العشر الماضية وحتى الآن وإن كان التغيير الحاصل يقع بسرعة متزايدة فإن شكل المجتمع وبنيته وأفكاره وأحداثه في بداية الألفية الثالثة لابد أن تختلف اختلافا جوهريا عنها الآن ومعنى هذا أن المدارس تعد أطفال اليوم لمجتمع يختلف تماما عن المجتمع الحاضر وتصنع المجتمع بصناعة اتجاهات الأطفال والشباب وتكون قيمهم وتشكيل أفكارهم وبالتالي فإنها تقرر مستقبل الثقافة ونوعية الحياة فالتعليم بطبيعته وبدوره في الثقافة يعتبر في جوهره مستقبلي ومهما اختلفت الآراء أو الفلسفات حول طبيعة الإنسان الذي هو موضوع التربية فإن أثر التعليم يتضمن المستقبل دائما مهما كانت صورة هذا المستقبل ونوعيته فهو إلي أحسن وأفضل ما دام التعليم يهدف إلي الأحسن والأرقى وهو ينحو إلي الجمود والثبات ما دام التعليم تتحكم فيه التقاليد والعمليات الآلية . فالعلاقة عضوية متبادلة بين التعليم والمستقبل أي أن التعليم بلغة البحث العلمي عامل مستقل وعامل تابع في نفس الوقت ولهذا تظهر الفروق بين تعليم يقوم عي وعي بأهمية المستقبل وبنوعيته وتعليم يدور حول نفسه دون وضوح فكري بشأن دوره في تقرير سلوك الأفراد وحياة المجتمع فالتعليم للمستقبل يعني ضرورة وجود فلسفة واضحة تحرك التعليم من داخله كما تحرك العلاقات بينه وبين قطاعات العمل المختلفة ثم أن وجود هذه الفلسفة يعني ضرورة الأخذ بالتخطيط وهو الذي ينظم حركة التعليم ويدفعها إلي الأمام ليؤثر في المستقبل ويشكله وعلي هذا النحو يحتل التعليم مكانة هامة في اهتمام عالمنا المعاصر بعد أن صارت المستقبلية بعدا من الأبعاد الهامة في نظر المجتمعات وبعد أن ذاعت الأساليب العملية في دراسة المستقبل والتحكم فيه وبعد أن اتضحت العلاقة بين التعليم والتقدم


    مراجع :
    1-علي خليل أبو العنين وآخرون : تأملات في علوم التربية كيف نفهمها : القاهرة – الدار الهندسية 2004 .
    2-أحمد محمود عياد ، محاضرات في أصول التربية ، الجزء الأول ، كلية التربية جامعة المنوفية ، د ، ث .
    3-جمال أحمد السيسي :ياسر ميمون عباس ، محاضرات في أصول التربية ، كلية التربية النوعية ، جامعة المنوفية ، 2007 .
    4-إبراهيم عصمت مطاوع : أصول التربية ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1995 .
    5-محمد الهادي عفيفي ، في أصول التربية ، الأصول الثقافية للتربية - القاهرة - مكتبة الأنجلو المصرية ، 1985 .
    6-محمود السيد سلطان بحث في عملية التربية ، صحيفة الآداب والتربية ، الكويت ، جامعة الكويت ، ع 8 ديسمبر 1975 .
    7-محمود السيد سلطان ، مقدمة في التربية ، جدة ، المملكة العربية السعودية دار الشروق 1983 .
    8-محمود السيد سلطان ، دراسات في التربية والمجتمع ، القاهرة ، دار المعارف 1975 .
    9-محمد عبد السميع عثمان : الأسس الاجتماعية والثقافية للتربية ، الأصول الاجتماعية والثقافية للتربية ، كلية التربية ، جامعة الأزهر 2004 .
    10- محمد أحمد كريم ، شبل بدران : المناقشة في الأصول الفلسفية للتربية ، الإسكندرية ، مطابع الجمهورية ، 1997 .
    11- إبراهيم ناصر : التربية وثقافة المجتمع : تربية المجتمعات – بيروت ، دار الفرقان ، مؤسسة الرسالة 1983 .
    12- د. طارق عبد الرؤف عامر أصول التربية "الاجتماعية - الثقافية - الاقتصادية 2008
    13- د. ﺳﻌﻴﺪ إﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻋﻠﻲ . ﻓﻠﺴﻔﺎت ﺗﺮﺑﻮﻳﺔ ﻣﻌﺎﺻﺮة. ﺗﺄﻟﻴﻒ.

المواضيع المتشابهه

  1. فلسفة برشلونة «الكروية»! فوائد منقولة
    بواسطة كويتي مخضرم في المنتدى الرياضة و عالم السيارات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-15-2014, 04:29 AM
  2. التربية البدنية
    بواسطة شريفة في المنتدى استراتيجيات التدريس
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-03-2013, 10:57 PM
  3. [ عام ] : شرح درس التربية البدنية
    بواسطة نسيم الجنان في المنتدى استراتيجيات التدريس
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-25-2013, 03:05 AM
  4. فلسفة دمعه ..
    بواسطة غيمة أمان في المنتدى ملاذ الشعر اء وبوح الخواطر
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 02-20-2013, 07:42 PM
  5. مجموعة من المراجع لمادة : فلسفة أصول التربية
    بواسطة نوح في المنتدى ملاذ التعليم العالي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-13-2012, 01:42 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •